غير أن محاولة تأويل آي القرآن أو الخلاف حول المحكم والمتشابه ترتبط بزمن نزول القرآن نفسه. ويبدو أن محاولة تأويل آي القرآن والتشكيك فيه قد ارتبطت بجدل أهل الكتاب مع الرسول في المدينة. ومن العسير على الباحث تحديد نقطة البداية في هذا الجدل. ومع ذلك فالقرآن نفسه قد سجّل هذه المحاولات وردّ
عليها. ولو رتبت آيات القرآن وسوره حسب ترتيب النزول بحسب ما تسمح به مصادرنا الحالية عن أسباب النزول لأمكن حسم كثير من المعضلات التي ترتبط بالدراسات القرآنية بشكل عام. فالقرآن قبل كل شيء وبعد كل شيء هو المصدر الوحيد الذي لا يتطرق اليه الشك كمصدر تاريخي لعصر النبوة بشقيه المكي والمدني. ولقد سجّل لنا القرآن في سورة آل عمران هذه المحاولات التأويلية بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتََابَ، مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ وَأُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ ابْتِغََاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ،} {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا.}
يورد الطبري في سبب نزول هذه الآية عدّة أقوال: أولها ما يرويه ابن عباس عن جابر بن رئاب أن معنى «المتشابه» الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القرآن، من نحو «الم» و «المص» ، و «المر» و «ألر» وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات في الألفاظ، وموافقات حروف حساب الجمل. وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله، ويعلموا نهاية أكل محمد وأمته» وهي رواية ضعيفة، وإن كان الطبري يتقبلها ويعضدها ويبني تفسيره كله على أساسها.
أمّا الرواية الثانية فيرويها الطبري عن الربيع «قال: عمدوا يعني الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى نجران فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم (في المسيح) ، قالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى! قالوا: فحسبنا! فأنزل الله عز وجل: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ ابْتِغََاءَ الْفِتْنَةِ} ثم إن الله جل ثناؤه أنزل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى ََ عِنْدَ اللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» } .
وتبدو هذه الرواية أقرب إلى معنى الآية وإلى سياقها، فالتعبير القرآني في وصف عيسى بأنه {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} (آل عمران / 45) كان كفيلا بأن يتخذه النصارى دليلا لهم من وجهة نظرهم يحاجون به النبي، ومن ثم نزلت هذه الآية تقرّعهم على تمسكهم بما يحتمل التأويل. ثم نزلت الآية الأخرى {إِنَّ مَثَلَ عِيسى ََ عِنْدَ اللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} (آل عمران / 59) لتفسر لهم ما تشابه عليهم بلفظ واضح صريح لا يحتمل اللبس أو التأويل، ولتردهم بمحكم القرآن إلى جادة الحق والصواب. وسيتعرّض المعتزلة فيما بعد خصوصا القاضي عبد الجبار لتأويل هذه الآيات التي وردت في المسيح وردها إلى المجاز اعتمادا على هذه الآية الأخيرة. ويؤكد ما نذهب إليه من اعتبار هذه الحادثة سببا لنزول آية المحكم والمتشابه أن الآيات الثلاث كلها في
سورة آل عمران وهي مدنية باتفاق. وعلى هذا يتفق سبب النزول مع السياق ومع وجود الرسول بالمدينة، وبداية الحوار والجدل مع أهل الكتاب من النصارى واليهود على السواء.