فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 269

تنبّه الباحثون إلى أثر القرآن الكريم في نشأة العلوم العربية عامة، وفي نشأة علوم النقد والبلاغة بصفة خاصة. وحاولوا في أبحاث كثيرة الكشف عن هذا الأثر وتحديد ملامحه وأبعاده. واختلفت زوايا التركيز بين الباحثين تبعا لاختلاف زاوية الاهتمام.

ولم يحظ أهم مبحث من مباحث البلاغة، وهو مبحث «المجاز» بدراسة مستقلة تعنى بتقصي ظروف نشأته، وأثر القرآن في تحديد ماهيته ووظيفته في التعبير البليغ. ولقد أشار الباحثون إلى أثر المعتزلة بصفة خاصة في انضاج مفهوم «المجاز» من خلال سعيهم الدائب لنفي التصورات الشعبية عن الذات الالهية وعن أفعالها.

غير أن هذه الاشارات جاءت مجملة في سياق موضوع أعم هو موضوع الصورة الأدبية في النقد العربي. وأهم هذه الاشارات الفصل الذي خصصه الدكتور مصطفى ناصف للمؤثرات الروحية في بحث الاستعارة، وذلك في كتابه عن «الصورة الادبية» وكذلك ما أشار اليه الدكتور جابر عصفور في تمهيده للفصل الخاص بالأنواع البلاغية للصورة، وذلك في كتابه عن «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي» . وكان لهذه الإشارات على عموميتها الفضل في تنبيه الباحث إلى أهمية الموضوع، وضرورة التوفّر على دراسته دراسة تفصيلية تهدف إلى الكشف عن تلك العلاقة الوثيقة بين الفكر الاعتزالي وبين بحث المجاز في القرآن.

وهي علاقة كان لها أثرها دون شك في توجيه مبحث المجاز وجهة خاصة في دراسة الشعر والنثر على السواء.

ولكي يحقق الباحث هذه الغاية، كان عليه أن يعتمد بصفة أساسية على المصادر الأصلية للفكر الاعتزالي، دون غيرها من المصادر التي تؤرّخ لهم أو تحكي آراءهم. وقد أتيح لتلك المصادر أن ترى النور منذ فترة قليلة لا تزيد على السنوات العشر. وأهم هذه المصادر مؤلفات القاضي عبد الجبار الأسدآبادي المتوفى عام 415 هـ، وهي مؤلفات كثيرة ومتنوعة. وأهم هذه المؤلفات موسوعته الضخمة «المغني في أبواب التوحيد والعدل» التي تقع في عشرين جزءا ما تزال ستة أجزاء منها مفقودة، وهي الأجزاء: الأول، والثاني، والثالث، والعاشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، ولم يكن حجم هذه المؤلفات يمثّل صعوبة للباحث، وإنما. تركّزت الصعوبة الحقيقية في معاناة فهم هذه المادة المتشعبة بلغتها المعقدة التي كثيرا ما ألجأت الباحث إلى محاولة إعادة تركيب الجمل تقديما وتأخيرا، بل وإعرابها كلمة كلمة في أحيان كثيرة، حتى يطمئن إلى فهمه للفكرة التي يراد التعبير عنها. فإذا اضفنا إلى ذلك أن عملية تحقيق هذا الكتاب الضخم لا تكاد تتجاوز نسخ المخطوط الوحيد الذي تعتمد عليه في أغلب الأحيان، إلى شرح للمصطلحات أو بيان لأفكار المؤلف. إذا أضفنا ذلك كله أدركنا العبء المزدوج الذي كان على الباحث أن يقوم به. عبء الفهم وتقويم النص معا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت