إذا كان الفكر الاعتزالي في بواكيره الأولى قد نشأ كما أسلفنا استجابة لظروف اجتماعية وسياسية اصطبغت بالصبغة الدينية، فإنه في تطوره وحركته التاريخية قد اصطدم بثقافات دينية أخرى لا تسلّم بداهة بما جاء به القرآن من أدلة على العدل والتوحيد وغيرها من القضايا التي جاهد المعتزلة في سبيل تأصيلها. وإذا كانت أقوال واصل في «التوحيد» لم تكن «نضيجة» كما قال الشهرستاني، فإن الجدل مع الفرق الأخرى وأهل الأديان المخالفة بما تصطبغ به من فلسفات مختلفة كان كفيلا بانضاجها. ولقد كان على المعتزلة أن ينظموا وسائلهم الاستدلالية لمواجهة هذه التيارات والرد عليها بشكل مقنع. وإذا كانت هذه الأديان والعقائد تسندها فلسفات لها قدر من العمق والشمول النظري، فقد كان من الضروري للمعتزلة ان يتخلّوا عن أدلتهم الدينية المستمدة من الكتاب والسنة وهي أدلة لا تقنع الخصم إلى أدلة جديدة لا يجد الخصم بدا من التسليم بها. وبعبارة أخرى كان على المعتزلة أن يميزوا بين أدلّة العقل وأدلّة الشرع، أو ما عرف بعد ذلك في علم الكلام بالعقل والنقل.
وينسب المؤرخون إلى أبي الهذيل العلاف (ت 235هـ) وتلميذه إبراهيم ابن سيار النظّام (ت 230هـ) الاطلاع على كتب الفلاسفة والتأثر بها ويعدانهما بداية التحول من المنهج الديني الخالص إلى الطريقة الجدلية التي يهمها الانتصار على الخصم عن طريق ايراد مقدمات شائعة مشهورة لا يستطيع الخصم المنازعة في صحتها. وكما نفر رجال الحديث والفقهاء من القول «بالقدر» ونفي الصفات عن الله، فقد نفروا كذلك من طريقة المتكلمين في تثبيت العقيدة والدفاع عنها، حتى أصبح الصاق صفة الكلام بالمحدّث كافيا لاطراح مروياته والتشكك في صدقها.
غير أن البحث في الأدلّة العقلية، والإعلاء من شأن العقل عند المعتزلة لم
يكن أثرا من آثار الفكر الأجنبي فحسب، ذلك أن القول بقدرة الانسان على الفعل والاختيار ومسئوليته عن هذا الفعل يتضمن بالضرورة اعترافا بوجود قوة مميّزة لدى الانسان تدفعه للاختيار بين الممكنات المختلفة، ومن ثم تحدد مسئوليته عن اختياره. والقرآن الكريم نفسه قد أعلى من شأن العقل وجعله مناط المسئولية الانسانية، وذمّ أولئك الذين لا يعقلون ولا يفقهون. ولقد احتفت الأوساط الدينية الاسلامية منذ أوائل القرن الثاني الهجري وأواخر القرن الأول بحديث يعلي من شأن العقل ويجعله أول المخلوقات وأكرمها على الله «أول ما خلق الله العقل. فقال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر. ثم قال الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب وبك أعاقب» . وبصرف النظر عن المعاني التي حملها هذا الحديث بعد ذلك فإن الذي يهمنا من الاستشهاد به هو بيان مدى احتفاء كافة الفرق والإتجاهات الاسلامية بالعقل وإن اختلفت في تحديد مدى نشاطه وميادينه.