فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 269

مثال ذلك قول الله تعالى {وَجََاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر / 22) وهي آية يضعها الرماني في النوع الثالث من أنواع المبالغة «فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئا له على المبالغة في الكلام. ومنه: {فَأَتَى اللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ الْقَوََاعِدِ} أي أتاهم بعظم بأسه فجعل ذلك اتيانا له على المبالغة. ومنه قوله تعالى {فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} ومن الصعب على الرماني تحليل هذه الآيات على الاستعارة، لأن ذلك سيؤدي إلى وجود مشابهة في حس أو عقل بين الله والبشر الذين يجوز عليهم الحركة والمجيء والاتيان. ويكون تأويل هذه الآيات على ذلك أن الفعل أسند لله مبالغة وإن كان في الحقيقة لغيره. غير أن استعمال الرماني لكلمة «المبالغة» في تحليل آية في باب «الاستعارة» يجعلنا نفترض أنهما يعبران مع التساهل عن مدلول واحد، خصوصا إذا اعتبرنا المبالغة البيان عن طريق الكشف والاظهار هي الوظيفة الأساسية للتشبيه والاستعارة معا.

ومما يدخل في النوع الثاني من المبالغة، وهو استخدام صيغة العموم للخصوص، قول الله تعالى {خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الانعام / 102) والذي يجعل الرماني يضع الآية هذا الموضع هو ما يذهب إليه المعتزلة من أن الانسان هو خالق أفعاله عن حرية واختيار، وبالتالي تكون لفظة «كل» في الآية لا يقصد عمومها، لأن أفعال الناس مستثناة بالدليل العقلي من هذا العموم. غاية الأمر أن الآية وردت مورد المبالغة «كقول القائل: أتاني الناس، ولعله لا يكون أتاه إلّا خمسة فاستكثرهم، وبالغ في العبارة» .

وخلاصة الأمر أن الرماني استطاع أن يفيد من جهود سابقيه، وأن يفرّق تفرقة واضحة بين التشبيه والاستعارة. كما استطاع أن يكشف عن علاقة الاستعارة بالمجاز، وفي نفس الوقت استطاع أن يفرّق بين الاستعارة والمجاز المرسل. ولم تكن كل هذه الجهود البلاغية بعيدة عن غايته التأويلية كمعتزلي، بل كانت مرتبطة بها وفي خدمتها كما رأينا.

وضع القاضي عبد الجبار اللغة بين أنواع الدلالة العقلية، كما اعتبرها الجاحظ إحدى الوسائل البيانية كما سبقت الاشارة. وقد ميّز القاضي اللغة من أنواع الدلالة الأخرى بأنها تدل على شرطين: المواضعة السابقة، ومراعاة حال المتكلم وقصده حتى يمكن فهم المراد بكلامه. وقد تحدد مفهوم المواضعة عنده بأنها

المواضعة الاشارية البحتة التي تنفي وجود أي علاقة بين الاسم والمسمى، أو الدال والمدلول. وإذا كان هناك اسم ومسمى، فإن المتكلم هو الذي يشير بالاسم لمسماه في حالة غياب هذا المسمى وذلك بهدف الاخبار عنه، وعلى ذلك يقوم المتكلم بايجاد علاقات بين الاشارات اللغوية. فالعبارة (السماء جميلة) مثلا تشير إلى شيئين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت