وضع القاضي عبد الجبار اللغة بين أنواع الدلالة العقلية، كما اعتبرها الجاحظ إحدى الوسائل البيانية كما سبقت الاشارة. وقد ميّز القاضي اللغة من أنواع الدلالة الأخرى بأنها تدل على شرطين: المواضعة السابقة، ومراعاة حال المتكلم وقصده حتى يمكن فهم المراد بكلامه. وقد تحدد مفهوم المواضعة عنده بأنها
المواضعة الاشارية البحتة التي تنفي وجود أي علاقة بين الاسم والمسمى، أو الدال والمدلول. وإذا كان هناك اسم ومسمى، فإن المتكلم هو الذي يشير بالاسم لمسماه في حالة غياب هذا المسمى وذلك بهدف الاخبار عنه، وعلى ذلك يقوم المتكلم بايجاد علاقات بين الاشارات اللغوية. فالعبارة (السماء جميلة) مثلا تشير إلى شيئين:
إلى السماء وإلى معنى الجمال، والمتكلم هو الذي أسند الجمال إلى السماء ليخبر، بمعنى أن المتكلم حين يخبر وو وظيفة الاخبار هي الوظيفة المركزية للغة عند القاضي فإنه يشير بالاسم إلى الشيء ثم يسند إليه الخبر. وعلى ذلك فدور المتكلم في الدلالة اللغوية يعادل دور المواضعة ولا غناء لأحدهما عن الآخر.
وحين قارن القاضي عبد الجبار بين دلالة المعجزة ودلالة الكلام، اعتبر أن المعجزة أشد دلالة «لأن من حق التصديق بالقول أن يصح فيه المجاز والاستعارة لأمر يرجع إلى ذات الكلام» وعلى ذلك يرفع من شأن التصديق بالمعجزة على حساب التصديق بالكلام الذي يمكن أن يقع فيه المجاز والاستعارة وهما أمران ثابتان في الكلام لا زمان له. أي أن الكلام وإن وقع دلالة بالشرطين السابقين فإنه يتأخر عن أنواع الدلالات الأخرى بقابليته للاشتراك والاحتمال.
ولذلك لا بدّ من وضع ضوابط لهذا الاشتراك والاحتمال والمجاز والاستعارة. لا بدّ من وضع ضوابط لهذه الأمور وإلّا خرج الكلام عن أن يكون دلالة. ومن الضروري والحالة هذه أن يحدد القاضي عبد الجبار الوجه الذي يقع منه المجاز في الكلام. ومن البديهي أن لا يكون المجاز واقعا في أصل المواضعة. فإذا كان المعتزلة قد انتهوا كما بيّنا سالفا إلى أن العالم الخارجي ثابت وقائم بصرف النظر عن ادراكنا ومعرفتنا به، وإذا كانوا قد ذهبوا إلى أن الادراك لا يؤثر في المدرك ولا في صفة من صفاته سلبا أو ايجابا، وإذا كانت الاسماء اللغوية مجرد اشارات للأشياء، فمن الطبيعي أن تكون المواضعة اللغوية لها ثبات الأشياء، بمعنى أن يصبح الاسم كالسمة والعلامة للشيء. واللغة من هذه الجهة (المواضعة) لا يجوز أن تدخلها الاستعارة أو المجاز. غير أن من حق الجماعة اللغوية أن تنتقل بالمواضعة في الاسم عن معناه الحقيقي الى معنى آخر مجازي بشرط وجود علاقة بين المعنى المنقول منه الاسم والمعنى المنقول إليه «وبذلك جوّزنا نقل الألفاظ إلى الاحكام الشرعية، وجوزنا انتقال حكم اللفظة بالتعارف عن المجاز إلى الحقيقة وعن الحقيقة إلى المجاز، وكل ذلك لا يوجب قلب المعاني» ومعنى ذلك أن المواضعة يجوز أن يحدث فيها التجاوز مع مراعاة قصد الجماعة، أي مراعاة المعنى الذي تقصد إليه الجماعة حيث تطلق اسما على شيء من الأشياء أو صفة من الصفات. وهذا التجاوز لا يعني عند القاضي قلب المعانى أو التداخل بين حدود
الأشياء. ويكون المجاز حينئذ مواضعة طارئة على المواضعة الأصلية. وعلى ذلك يشترط القاضي عبد الجبار أن يكون للاسم اللغوي حقيقة سابقة قبل استعماله في المجاز «لأن كون اللفظة مجازا ولا حقيقة لها لا يصح في اللغة» و «لأن التجوز هو أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له في الأصل»