ويؤكّد موقف مقاتل الارجائي رأيه في مرتكب الكبيرة، حيث يرى أنه لن يخلد في النار، بل لا بدّ من خروجه منها، ودخوله الجنة في نهاية المطاف. يقول في الوجه السابع من وجوه «ما» «ما يعني كما كقوله في هود: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النََّارِ لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ السَّمََاوََاتُ وَالْأَرْضُ} أي لأهل النار، ما داموا فيها أحياء، فأهل النار لا يموتون فيها أبدا والنار لا تنقطع عنهم أبدا إلّا ما شاء ربك لأهل التوحيد الذين أدخلوا النار فلا يدومون في النار معهم ولكن يخرجون إلى الجنة» ويتضح خلاف المرجئة والمعتزلة في تأويل الآية من قول القاضي عبد الجبار «وجوابنا أن للنار سماء وأرضا وكذلك الجنة ولا يفنيان فهذا هو المراد. وقد قيل إن المراد بذلك تبعيد خروجهم فعلقه تعالى بما يبعد في العقول
زواله على مذهب العرب في مثل قول الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب»
ومع ذلك كله فلا تكفي هذه التفسيرات لكي يعدّ مقاتل مرجئا، بالمعنى الذي ينكره المعتزلة، فهو لم يشر في الآية الأخيرة إلى إن كان المقصود بالاستثناء مرتكب الكبائر، أم المؤمن الذي يعذّب على بعض المعاصي الصغيرة. والمعتزلة أنفسهم لا يقولون بتخليد المؤمن العاصي في النار ما لم تكن معصيته من الكبائر.
وإذا أضفنا أن المعتزلة قد اعتبروا أن تحديد الكبائر مما لا علم لنا به، لأن الله أخفاه عنا لطفا منه بنا، حتى لا نواقع الصغائر خشية أن تكون كبائر. إذا ذكرنا هذا عند المعتزلة خصوصا القاضي عبد الجبار تميّعت الحدود بين الصغيرة والكبيرة.
وصار ارجاء مقاتل محل تساؤل كما كان وضعه في المشبهة والمجسدة محل تساؤل كذلك.
وإذا كان أبو عبيدة كما سبق أن أشرنا هو أول من سلط الضوء على كلمة «مجاز» لتصبح فيما بعد مصطلحا بلاغيا يضم في اهابه كل الوسائل التصويرية في اللغة، فإنه من جانب آخر قد أسهم اسهاما له أهميته في قضية التأويل.
وتتداخل مصطلحات المجاز والتشبيه والمثل مع التأويل عند أبي عبيدة، وتصبح هذه المصطلحات باعتبارها طرائق للتعبير وسيلة للتأويل لاخراج الآية عن ظاهرها الموهم بالتشبيه أو الظلم إلى معنى ينفي عنها هذا الايهام. وليس أبو عبيدة على أي حال بعيدا عن جو التأويل، فهو خارجي، والاتفاق بين الخوارج والمعتزلة في أصول كثيرة سبقت الاشارة إليه في التمهيد، لدرجة أنهم يتبادلون عبارات الثناء والاعجاب. يقول أبو عبيدة عن النظّام «ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل النظّام» . ويردّ له الجاحظ تلميذ النظّام هذه المجاملة بقوله: «وممن كان يرى رأي الخوارج: أبو عبيدة معمر بن المثنى مولى تيم بن مرة، ولم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلم منه» .
وعلى ذلك فمن الطبيعي أن يتوقف أبو عبيدة عند الآيات التي يوحي ظاهرها بمشابهة الله للبشر ليؤولها تأويلا يتفق مع التنزيه والتوحيد الذي آمن به كل من الخوارج والمعتزلة. فيكون مجاز قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ} «إلّا هو» ويكون التعبير القرآني {فِي جَنْبِ اللََّهِ} وفي «ذات الله» واحد. ويكون
تأويل {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ} إذا اشتدّ الحرب والأمر قيل: قد كشف الأمر عن ساق» وقوله {إِلََّا هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا} مجازه إلّا هو في قبضته وسلطانه» و {قُلِ اللََّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} أي أخذا وعقوبة واستدراجا لهم» و {يَدُ اللََّهِ مَغْلُولَةٌ}
أي خير الله ممسك» ويكون قوله {إِنَّنِي مَعَكُمََا} «مجازه أعينكما» {وَقَدِمْنََا إِلى ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} «مجازه وعمدنا إلى ما عملوا» و {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}
يصبح معناها «هل يريد ربك» {وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلََكِنَّ اللََّهَ رَمى ََ} مجازه: ما ظفرت ولا أصبت ولكن الله أيدك وأظفرك وأصاب بك ونصرك» و {إِنََّا نَسِينََاكُمْ} مجازه: إنّا تركناكم ولم ننظر إليكم ولكن الله عز وجل لا ينسى فيذهب الشيء من ذكره» و {يُحََارِبُونَ اللََّهَ وَرَسُولَهُ} والمحاربة هاهنا: الكفر». أمّا قوله تعالى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقََاتِلََا} مجازها: اذهب انت وربك فقاتل: