وعلى ذلك فمن الطبيعي أن يتوقف أبو عبيدة عند الآيات التي يوحي ظاهرها بمشابهة الله للبشر ليؤولها تأويلا يتفق مع التنزيه والتوحيد الذي آمن به كل من الخوارج والمعتزلة. فيكون مجاز قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلََّا وَجْهَهُ} «إلّا هو» ويكون التعبير القرآني {فِي جَنْبِ اللََّهِ} وفي «ذات الله» واحد. ويكون
تأويل {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ} إذا اشتدّ الحرب والأمر قيل: قد كشف الأمر عن ساق» وقوله {إِلََّا هُوَ آخِذٌ بِنََاصِيَتِهََا} مجازه إلّا هو في قبضته وسلطانه» و {قُلِ اللََّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} أي أخذا وعقوبة واستدراجا لهم» و {يَدُ اللََّهِ مَغْلُولَةٌ}
أي خير الله ممسك» ويكون قوله {إِنَّنِي مَعَكُمََا} «مجازه أعينكما» {وَقَدِمْنََا إِلى ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} «مجازه وعمدنا إلى ما عملوا» و {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}
يصبح معناها «هل يريد ربك» {وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلََكِنَّ اللََّهَ رَمى ََ} مجازه: ما ظفرت ولا أصبت ولكن الله أيدك وأظفرك وأصاب بك ونصرك» و {إِنََّا نَسِينََاكُمْ} مجازه: إنّا تركناكم ولم ننظر إليكم ولكن الله عز وجل لا ينسى فيذهب الشيء من ذكره» و {يُحََارِبُونَ اللََّهَ وَرَسُولَهُ} والمحاربة هاهنا: الكفر». أمّا قوله تعالى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقََاتِلََا} مجازها: اذهب انت وربك فقاتل:
وليقاتل ربك أي ليعنك ولا يذهب الله» و {شَاقُّوا اللََّهَ} مجازه: خانوا الله وجانبوا أمره ودينه وطاعته».
أمّا قوله تعالى {إِلََّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ} مجازه إلّا لنميز» وكذلك قوله {فَلَيَعْلَمَنَّ اللََّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} مجازه: فليميزن الله لأن الله قد علم ذلك من قبل».
وإذا كان أبو عبيدة يستخدم كلمة «مجاز» لتأويل كل هذه الآيات أو معظمها، وهي كلها آيات تتصل بنفي الجسمية من اليد والساق والحلول كما تنفي عن الله صفات البشر كالمكر والحركة الخ كل ذلك. فإنه يجمع بين المجاز والمثل والتشبيه في قوله تعالى: {فَأَتَى اللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ الْقَوََاعِدِ} بقوله «مجاز المثل والتشبيه» . هذا الربط بين التأويل والمصطلحات البلاغية يؤكد أنهما وجهان لعملة واحدة كما قلنا من قبل. ومن جهة أخرى فكل هذه الآيات التي تعرّض لها أبو عبيدة سيتناولها المعتزلة بالتفصيل، والتفصيل هو الفارق بين المتأخر والمتقدم وإن كان المنحى العام في التأويل يظلّ واحدا.
وكما أوّل أبو عبيدة آيات التشبيه، فإنه يحاول أن يؤول آيات الجبر أو ما يوهم إرادة الله للقبيح، ولذلك يحاول أن يؤول قوله تعالى: {وَإِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا} بقوله: «أي أكثرنا مترفيها، وهي من قولهم: قد أمر بنو فلان، أي كثروا، فخرج على تقدير قولهم علم فلان، وأعلمته» وهو بذلك ينفي أن يكون الله قد أمر المترفين بالفسق، كما هو ظاهر بالآية، بل ينفي أن يكون الفعل هو أمر، بل هو أمر متعد بالهمزة من أمر بنو فلان، إذا كثروا. وهذا التأويل سيستفيد منه المعتزلة بعد ذلك، وإن كانوا سيضيفون إليه احتمالات أخرى مثل
قول القاضي عبد الجبار «أنه أمرهم بالطاعة ففسقوا بالخروج عن ذلك» وهو تأويل آخر أخذوه عن الفراء كما سنوضح بعد قليل. فإذا انتقلنا إلى الزمخشري وجدناه يرفض هذا التأويل الثاني على أساس «أن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض» وعلى هذا يبني الزمخشري تأويله للآية على المجاز «والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صبّ عليهم النعمة صبّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب ايلاء النعمة فيه، وإنما خوّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الاحسان والبر» .