فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 269

انتهينا في التمهيد إلى أن الفكر الاعتزالي لم ينشأ مستقلا عن الظروف الاجتماعية للمجتمع الاسلامي، وكان القول بالاختيار محاولة للوقوف ضد النزعة الجبرية التي تستر وراءها النظام الأموي لتكريس استغلاله لجماهير المسلمين. وقد حاول الحسن البصري التخفيف من الصياغة المسيحية لمبدأ الاختيار، فاكتفى بنفي اسناد المعاصي إلى الله وأثبت مسئولية الانسان عنها. وانتهينا إلى أن الخلاف حول مرتكب الكبيرة لم يكن مجرد خلاف فقهي، بل كان خلافا يجسّد مواقف سياسية متباينة. وكان قول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين محاولة لرأب صدع الخلاف بين الفرق المختلفة، وخلق جبهة موحدة ضد النظام الأموي، وكان من نتيجة ذلك أن آراء الفرق تقاربت في كثير من القضايا، واستطاع واصل بن عطاء أن يوحّد بين المعتزلة والشيعة الزيدية توحيدا يكاد يكون تاما.

غير أن المعتزلة شغلتهم إلى جانب ذلك مهمة الدفاع عن الاسلام ضد مهاجميه من أبناء الأديان الأخرى، وكان عليهم من ثمّ أن ينظموا وسائلهم الاستدلالية لاقامة أفكارهم على أساس معرفي مكين. وكان الاعلاء من شأن العقل هو وسيلتهم لتحقيق الغايتين معا، إلى جانب ما يؤدي إليه هذا الاعلاء من التسوية بين البشر، وإلى عدم التفرقة بينهم على أساس الجنس أو الثروة. وإذا كان القرآن نفسه قد أعلى من شأن العقل والفكر، فقد كان للمعتزلة الفضل الأكبر في الانطلاق من هذا الأساس إلى آفاق أرحب، حيث انتهوا إلى أن العقل هبة من الله وهبها جميع البشر دون تمييز، وجعلوه أساسا للتكليف ومقدمة ضرورية له. والعقل عند المعتزلة هو مجموعة من العلوم الضرورية التي يخلقها الله في المكلّف، وهي علوم لا ينفكّ عنها الانسان ولا يشك في متعلقها. هذه العلوم الضرورية هي الأساس الذي يستطيع الانسان به الوصول إلى المعرفة، وذلك عن طريق التفكير والنظر في الادلّة. وحين قارن المعتزلة بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية انتهوا إلى

اثبات المعرفة الحسية إذا كانت تؤدي إلى سكون النفس إلى ما تتناوله من المدركات. وقامت هذه النظرة عندهم على أساس أن الادراك عملية محايدة من جانب المدرك لا تؤثر فيما يدركه سلبا أو ايجابا. أمّا المعرفة العقلية فهي تلك التي تتم عن طريق النظر في الأدلّة نظرا صحيحا. وبهذا النظر يستطيع الانسان الانتقال من العقل الفطري العلوم الضرورية إلى العلوم النظرية، وهي المعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت