ولم يرد لفظ «الكناية» في القرآن، وإن وردت المادة في معنى الاخفاء
والستر. وترد في معنى «الكناية» أو قريبا منها «التعريض» وهي خلاف التصريح وهو «ما توسع في دلالته فصار له وجهان ظاهر وباطن» وذلك في قوله تعالى {فِيمََا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسََاءِ} (البقرة / 235) .
وقد وردت مادة «جوز» بمعنى القطع والعبور، وهذا المعنى ليس بعيدا عن المفهوم المتأخر لكلمة «مجاز» على أساس أن المجاز هو تجاوز المعنى الحقيقي للعبارة الى معنى آخر يتعلق به تعلقا تاما
أمّا مادة «عير» الأصل الاشتقاقي لمصطلح «الاستعارة» فلم ترد في القرآن الكريم، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون هذا المصطلح أكثر المصطلحات البلاغية تأخرا في الظهور. وعلى العكس من ذلك كان مصطلح «المثل» مع ما يشتق منه كالتمثيل هو أكثر المصطلحات ظهورا عند المفسرين، وذلك بحكم كثرة دورانه في القرآن الكريم ودلالته على معنى «التشبيه» . وكان مصطلح «الكناية» أقل ظهورا من مصطلح «المثل» لقلة وروده في القرآن من جانب، ولعدم وضوح دلالته البلاغية من جانب آخر.
ولقد شاع استخدام مصطلح «المثل» على ألسنة المفسّرين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدى، ثم على ألسنة اللغويين كأبي عبيدة والفراء من بعد في تحليلهم للعبارات القرآنية. وإذا كانت الكلمة تعدّ مرادفة لمفهوم التشبيه، فإنها من جانب آخر قد تتسع للدلالة على معنى التصوير «ومثّل له الشيء صوّره حتى ينظر إليه وامتثله هو تصوره» وهي بذلك تشير إلى جانب دلالتها على التشبيه إلى القدرة على التجسيد والتصوير بالعبارات والكلمات. وللكلمة معان أخرى في سياقات مختلفة يحاول المبرد أن يردّها كلها إلى معنى «التشبيه» «المثل مأخوذ من المثال، وهو قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه التشبيه، فقولهم «مثل بين يديه» إذا انتصب، معناه أشبه الصورة المنتصبة، و «فلان أمثل من فلان» أي أشبه بماله من الفضل. والمثال القصاص لتشبيه حال المقتص منه بحال الأول.
فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأول».
ومن الضروري الاشارة إلى ما أثارته بعض محتويات الصور القرآنية التي عبر عنها بالمثل من الجدل والاستنكار من غير المسلمين. وقد عبر القرآن نفسه عن هذا الاعتراض بقوله تعالى: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا}
{فَوْقَهََا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اللََّهُ بِهََذََا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ}
(البقرة / 26) وتنسب الروايات إلى عمر بن الخطاب أنه لم يفهم معنى بعض الآيات التي سيقت مساق المثل. ويتساءل عن معنى قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنََابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ، لَهُ فِيهََا مِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ وَأَصََابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفََاءُ، فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ فَاحْتَرَقَتْ}
(البقرة / 266) . ولكن أحدا من الحاضرين لم يستطع أن يفسّر له معنى هذه الآية «حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين، اني أجد في نفسي منها شيئا.