فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 269

ومن الضروري لاكتمال جوانب دراستنا أن نعرض لبعض جهود القاضي عبد الجبار في التأويل. ولمّا كانت جهود المعتزلة في التأويل تنصبّ أساسا

على آيات التوحيد والعدل بكل تفاصيلهما، ولمّا كنا قد عرضنا لكثير من هذه الآيات في الفصول السابقة، فقد رأينا أن نقتصر في عرض جهود القاضي على قضيتين أساسيتين هما: قضية رؤية الله عز وجل، وقضية خلق الأفعال. ومبرر اختيار هاتين القضيتين، أن أولاهما تعدّ إلى جانب قضية الكلام من أهم القضايا الخلافية بين المعتزلة وخصومهم، وتظهر فيها بوضوح كامل مشكلة التأويل لورود بعض آيات القرآن باثباتها، وذلك على عكس قضية الكلام التي تعدّ قضية جدلية أكثر منها قضية متصلة بتأويل النص القرآني، أمّا قضية خلق الافعال فترجع أهميتها إلى أنها أساس نشأة الفكر الاعتزالي برمته كما سبقت الاشارة في التمهيد.

وهي أيضا قضية خلافية ظل الخلاف فيها مستمرا، هي وقضية الرؤية، حتى عصور متأخرة. لذلك كله نكتفي بهاتين القضيتين كنموذجين لقضايا التوحيد والعدل، يكشفان لنا عن نهج القاضي في التأويل وعلاقته بباقي جوانب الفكر الاعتزالي التي أسهبنا في شرحها.

قضية الرؤية، وجوازها على الله وعدم جوازها عليه، من القضايا الهامة التي ثارت بين المعتزلة وخصومهم، وأثارت كثيرا من الجدل والنقاش. وترتبط هذه القضية في مفاهيم المعتزلة بقضية التوحيد ونفي الجسمية عن الله، ذلك أن اثبات الله مرئيا يقتضي كونه في جهة ومتحيزا في المكان. ولذلك سعى المعتزلة إلى نفي أن يكون الله مرئيا بأي صورة من الصور، وإلى نفي ذلك عنه في الدنيا وفي الآخرة على السواء. ولم يكن سبيل ذلك سهلا أمامهم، فالاعتراضات كثيرة. وإذا كانوا قد وجدوا في بعض آيات القرآن سندا لوجهة نظرهم، فقد اعترضتهم آيات أخرى استشهد بها خصومهم في رد هذه الدعوى. ومن ثم لم يكن أمام المعتزلة سبيل إلّا تأويل هذه الآيات التي يستشهد بها الخصوم تأويلا يتفق مع وجهة نظرهم في التوحيد، وفيما يجوز على الله وما لا يجوز عليه. ونظروا إلى الآيات التي استشهد بها الخصوم على أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله والراسخون في العلم، ونظروا إلى الآيات التي تسند وجهة نظرهم على أنها من المحكم الذي ترد إليه آيات الخصوم المتشابهة. وكان من الطبيعي أن يلجأ الخصوم إلى نفس الحيلة، فيعتبروا ما يدعم وجهة نظرهم محكما، وما يدعم وجهة نظر المعتزلة متشابها. وكان من الطبيعي أيضا أن يدّعي كل طرف لنفسه صفة «الراسخين في العلم» القادر على التأويل الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت