ويستلفت نظر الباحث في هذه القضية أن المعتزلة على غير عادتهم لا يلزمون خصومهم الكفر على القول بجواز رؤية الله جل وعز، ومن ثم فهم أقل تشددا في الهجوم على خصومهم، وذلك على عكس ما نرى من تشدد في مواقفهم من قضية خلق الأفعال أو خلق القرآن، وهما قضيتان ترتبط أولاهما بالأصل الثاني من أصول المعتزلة وهو العدل، أما الثانية فترتبط بأصل التوحيد الأول.
والمعتزلة في قضية الرؤية لا يتساهلون مع خصومهم فحسب، بل يلتمسون لهم العذر إذا هم جوّزوا الرؤية على الله من غير كيفية، أي من غير تشبيه لله بالاجساد. وهم أي المعتزلة في ذلك يفرقون بين أنواع المدركات، ومدى وضوحها والعلم بها، فأجناس المسموعات والمشمومات والمذوقات لا جدال في وضوحها والعلم بها، وليس كذلك أجناس المرئيات التي منها ما هو جوهر، ومنها ما هو عرض، وهي لذلك ليست على نفس الدرجة من الوضوح والعلم، ومن ثم كثرت فيها الشبه والاعتراضات. ومن أجل هذه الشبه التي تتعلّق بالمرئيات دون ما عداها من أنواع المدركات لا يلزم من جوّز على الله الرؤية الكفر، إذا جوّزها من غير تشبه لله بالاجساد، إذ أنه بذلك لا يكون مخالفا للمعتزلة في الأصل الذي يدافعون عنه، وهو التوحيد والتنزيه، وإنما يكون خلافه لهم ناتجا عن سوء التفرقة بين أنواع المدركات. يقول أبو هاشم الجبائي: «إن العلم بأن ما خالف في جنسه الأصوات والكلام لا يصح أن يكون مسموعا أظهر من العلم بأن ما خالف هذه الأجناس المرئية لا يصح أن يكون مرئيا إنه يقرب عندي أن يكون العلم بأن الجسم لا يسمع، والحركة لا تسمع ولا يصح ذلك فيهما، ضروريا إن المسموعات نوع واحد، فلا يصح اثبات مسموع ليس منها، وكذلك المدركات من جهة الشم. والذوق. فأمّا المرئيات فمخالفة لها في ذلك، لأنها تشتمل على نوعين مختلفين جوهر وعرض، فلم ينحصر المرئي على الوجه الذي انحصر عليه المسموع، فلذلك لزم من قال إن الله تعالى يسمع الكفر، ولم يلزم ذلك من قال إنه يرى إذا نفى التشبيه. ولذلك ظهر القول في أنه تعالى لا يسمع، والتبس ذلك في الرؤية وكثرت الشبه» .
غير أن قضية نفي الرؤية عن الله، إلى جانب اتصالها بأصل التوحيد، وهو الأصل الأول للمذهب الاعتزالي، تتصل من جانب آخر بصفات المدح التي لا يجب نفيها عن الله. بمعنى أن الله تعالى إذا كان قد تمدّح نفسه بأنه لا يرى، فإن الزعم بأنه يرى هو نفي للمدح الذي مدح به ذاته. وفي هذا السبيل يقسم المعتزلة ما يمتدح به الله سبحانه نفسه إلى قسمين: القسم الأول، ما يرجع إلى صفات الفعل، أمّا القسم الثاني فهو ما يرجع إلى صفات الذات.