تحددت وظيفة اللغة عند الجاحظ بأنها هي «الابانة» التي اعتبرها ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري لتبادل المعرفة ونقل الخبرة. وما دام الأمر كذلك فمن حق أهل اللغة أن يستخدموها ويتعاملوا بها بالطريقة التي يرونها محققة لهذه الوظيفة ومؤدية لهذه الغاية. وثمّة مجالات يرى كل من النظّام والجاحظ ضرورة أن تراعى فيها الدقة في استخدام اللغة دون توسع أو تجاوز في دلالاتها. فقد ذهب النظّام إلى «أن طلاق الكناية مثل قول الانسان: الخلية والبرية والبتة، أو حبلك على غاربك.
لا يقع، وإن قارنته نية الطلاق». وليس أشدّ من الطلاق التصاقا بحياة الناس ومصالحهم ولذلك يمنع النظّام من وقوع طلاق الكناية والمجاز، حتى مع توفر النية، بل لا بدّ من استخدام التعبير المباشر.
والجاحظ وإن كان لا يرى رأي أستاذه في طلاق الكناية وهو خلاف فقهي على أي حال يتفق معه في المبدأ العام، وهو استبعاد مجال المعاملات من الحرية في استخدام الكلمات، على أساس أن المعاملات حاجات نفعية مباشرة لا تحتمل اللبس أو التأويل والخلاف. فإذا استبعدنا هذا المجال النفعي الخالص جاز للناس «أن يضعوا كلامهم حيث أحبوا إذا كان لهم مجاز، إلّا في المعاملات» .
وهذا كله يؤكد حرص الجاحظ على وظيفة اللغة العملية في حياة الناس.
ولكن هذه الحرية في نقل الألفاظ والعبارات ليست حرية مطلقة كما توهم العبارة السابقة، فلها شرطان لا بدّ من مراعاتهما: الشرط الأول أن يكون بين المعنى المنقول إليه اللفظ والمعنى المنقول عنه علاقة ما. أمّا الشرط الثاني فهو أن الحرية في النقل من حق الجماعة لا من حق الفرد، وعلى الفرد أن يتبع في عباراته وأساليبه طرق الدلالة التي سارت عليها الجماعة قبله، دون أن يخرج على هذه الأطر الدلالية أو التعبيرية، أو دون حتى أن يسمح لنفسه القياس عليها. والغاية وراء هذين الشرطين هي الوضوح الذي لا بدّ منه لأداء اللغة لوظيفتها الاجتماعية، وظيفة الابانة. فلو لم توجد علاقة بين المعنى المنقول عنه اللفظ والمعنى المنقول إليه لاختلّت دلالة الألفاظ على المعاني. ولو ترك الأمر لكل متكلم وحريته يستخدم الألفاظ حيث شاء، ويجريها حيث أراد، لصار كل فرد جزيرة لغوية منعزلة لا تستطيع التواصل والابانة لغيرها عن نفسها. وتفقد الابانة والحالة هذه أهميتها وضرورتها، بل لا تصبح إبانة على الاطلاق. وكلا الأمرين سيؤدي في النهاية إلى القضاء على الوظيفة الاجتماعية للغة. وهي الابانة، ومن ثم ينفضّ عقد
الاجتماع البشري، ويعود الانسان إلى عالم البهيمة والسبع، بل يعود إلى عالم الجماد أو النبات، فالحيوانات لها منطقها الخاص الذي يعبر عن احتياجاتها ويكفي «لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض» .