ومما يرتبط بالكناية التعريض والتورية، وهي فكرة يتوقف الفراء عندها لينفي
ارتباطها بالكذب، وهو يستند في ذلك لكلمة لعمر بن الخطاب، وتسند أحيانا لعلي بن أبي طالب. ويبدو أن الآية التي تثير هذه المسألة وهي على لسان إبراهيم عليه السلام كان لا بدّ أن تثير قضية الكذب، ومن ثم فلا بدّ من أن يسعى المفسر لنفي الكذب عن نبي من أنبياء الله المعصومين. يقول الفراء تعليقا على قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم لقومه {إِنِّي سَقِيمٌ} «أي مطعون من الطاعون. ويقال إنها كلمة فيها معراض، أي ان كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر. وهو وجه حسن. حدثنا أبو العباس قال حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال حدثني يحيى بن المهلب أبو كدينة، عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب الأنصاري في قوله {لََا تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ} قال: لم ينس ولكنها من معاريض الكلام وقد قال عمر في قوله: (إن في معاريض الكلام لما يغنينا عن الكذب) »
ومن الواضح في كل هذه التحليلات للتراكيب المجازية في القرآن، أن الفراء وكذلك أبا عبيدة توقفا عند مرحلة الكشف عن المعنى، وبيان توافق التركيب القرآني مع تراكيب اللغة الشائعة في الشعر وكلام العرب وكانت زاوية التحليل عند كل منهما متأثرة بثقافتهما من ناحية، وبطبيعة المهمة التي واجهاها من ناحية أخرى.
وكان من الطبيعي في هذه المرحلة أن لا يدرك المفسر الفارق بين التركيب المباشر، والتعبير الاستعاري. أو المجازي، ذلك التركيب الذي نعتبره اليوم «أكثر الوسائل أهمية لاكتشاف المعاني الجديدة» ومن ثم يعدّ ضرورة لغوية تتطور من خلاله اللغة للتعبير عن مدركات جديدة، أو تعبر من خلاله «ما هو معروف إلى ما لم يعرف بعد» .
ومع ذلك كله فقد كشف كل من أبي عبيدة والفراء عن هذه الأساليب المجازية، واستطاعا أن يبلورا كثيرا من عناصر المجاز التي لم تنفصل عنه بعد ذلك، وبذلك مهّدا الطريق من بعدهما للجاحظ وابن قتيبة والقاضي عبد الجبار ليفيدوا من هذه الجهود في تأويل النص القرآني ليتفق مع ما ذهب إليه كل منهم في قضايا التوحيد والعدل. ولم يكن كل من أبي عبيدة والفراء والمفسرون قبلهم منفصلين عن هذه المهمة التأويلية التي أجّلنا التعرّض لجهودهم فيها إلى الفصل التالي، مكتفين هنا برصد تطور مفهوم المجاز وتحديد العناصر التي دخلت تحته.