لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب»
وإذا كان التشبيه هو الأصل في التجاوز. سواء في اسناد الأفعال أو الضمائر، فمن الطبيعي أن يتوقف الفراء عند «المثل» التشبيه وقفة تكشف عن طبيعة فهمه له. ومن الطبيعي أيضا أن تكون وقفته في تحليل المثل التشبيه هي وقفة النحوي الذي تستلفت نظره ظواهر نحوية في الأسلوب. يتوقف عند قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نََارًا} والظاهرة التي تستوقفه في هذه الآية أن المشبه جمع بينهما المشبه به مفرد، فكيف يمكن أن يقع التشبيه على ذلك؟ ويدفعه هذا التساؤل إلى تحليل لوجه الشبه «فانما ضرب المثل والله أعلم للفعل لا للاعيان، وإنما هو مثل للنفاق، فقال مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، ولم يقل الذين استوقدوا. وهو كما قال الله {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى ََ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}
وقوله {مََا خَلْقُكُمْ وَلََا بَعْثُكُمْ إِلََّا كَنَفْسٍ وََاحِدَةٍ،} فالمعنى والله أعلم إلّا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا كما قال كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ
مُسَنَّدَةٌ وقال {كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ} فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال، فأجز الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحدا في شعر فأجزه. وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه، كقولك ما فعلك إلّا كفعل الحمير، وما أفعالكم إلّا كفعل الذئب، فابن على هذا، ثم تلقى الفعل فتقول: ما فعلك إلّا كالحمير وكالذئب» فالتشبيه بالأعيان لا بدّ فيه من مطابقة المشبه للمشبه به مطابقة نحوية كاملة، أعني من حيث الافراد والتثنية والجمع. ولا تشترط هذه المطابقة النحوية إذا كان التشبيه بالأفعال. ويسمح الفراء بتلقي هذه التشبيهات واجازتها في الشعر حتى مع حذف المشبه الذي هو الفعل.
ومن الملاحظ أن الحذف هنا لا يعوق عملية التشبيه أو التمثيل، وعلينا أن نلاحظ أن الفراء يقدّر المحذوف محافظة على وضوح المعنى. وبذلك يكون الفراء رغم زاوية التحليل قد أضاء بعض جوانب عملية التشبيه أو التمثيل التي أعتبرها أساس كل تجاوز في دلالة اللفظ أو العبارة.
فإذا تركنا «المثل» لا نجد الفراء يضيف كثيرا إلى ما شرحه أبو عبيدة والمفسرون مثله لمفهوم «الكناية» فهو ما يزال عنده مرتبطا بالمعنى اللغوي وهو الاضمار والاخفاء، وكثيرا ما يستخدم كمصطلح نحوي يقابل مصطلح «الاضمار» عند البصريين. وحين يفسّر الفراء قول الله تعالى {إِنََّا جَعَلْنََا فِي أَعْنََاقِهِمْ أَغْلََالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقََانِ} يقول: «فكنىّ عن هي، وهي للايمان ولم تذكر. وذلك أن الغل لا يكون إلّا باليمين. والعنق جامعا لليمين والعنق، فيكفي ذكر أحدهما عن صاحبه، كما قال {فَمَنْ خََافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} فضمّ الورثة إلى الوصي ولم يذكروا، لأن الصلح إنما يقع بين الوصي والورثة. ومثله قول الشاعر:
وما أدري إذا يممت وجها ... أريد الخير أيهما يليني
الخير الذي أنا مبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني
فكنىّ عن الشر وإنما يذكر الخير وحده، وذلك أن الشر يذكر مع الخير، وهي في قراءة عبد الله إنّا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان فكفّت الأيمان عن ذكر الأعناق في حرف عبد الله، وكفّت الأعناق من الأيمان في قراءة العامة
ومعناه: إنّا حبسناهم عن الانفاق في سبيل الله» ومن الملاحظ أن فكرة الحذف متضمنة في الكناية بهذا المفهوم بشكل واضح بمعنى أننا نكتفي بذكر شيء واحد عن ذكر شيئين لتضمن أحدهما للآخر، سواء في المفهوم اللفظي أو السياق المعنوي.
ومما يرتبط بالكناية التعريض والتورية، وهي فكرة يتوقف الفراء عندها لينفي
ارتباطها بالكذب، وهو يستند في ذلك لكلمة لعمر بن الخطاب، وتسند أحيانا لعلي بن أبي طالب. ويبدو أن الآية التي تثير هذه المسألة وهي على لسان إبراهيم عليه السلام كان لا بدّ أن تثير قضية الكذب، ومن ثم فلا بدّ من أن يسعى المفسر لنفي الكذب عن نبي من أنبياء الله المعصومين. يقول الفراء تعليقا على قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم لقومه {إِنِّي سَقِيمٌ} «أي مطعون من الطاعون. ويقال إنها كلمة فيها معراض، أي ان كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر. وهو وجه حسن. حدثنا أبو العباس قال حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال حدثني يحيى بن المهلب أبو كدينة، عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب الأنصاري في قوله {لََا تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ} قال: لم ينس ولكنها من معاريض الكلام وقد قال عمر في قوله: (إن في معاريض الكلام لما يغنينا عن الكذب) »