بعد أن انتهينا من مناقشة الجوانب المتعددة لشرط المواضعة الذي بدونه لا يصحّ وقوع الكلام دلالة، من الضروري أيضا أن نناقش الجوانب المختلفة لمفهوم «القصد» الشرط الثاني للدلالة الكلامية. وأول هذه الجوانب معنى «القصد» عند القاضي عبد الجبار. وقد لاحظنا من قبل أن الباقلاني لم يشترط في حديثه عن الدلالة الشرعية والدلالة اللغوية سوى شرط المواضعة والمواطأة، ولم يتعرض لشرط القصد من بعيد أو قريب.
وأول معنى من معاني «القصد» عند القاضي عبد الجبار يمكن لنا أن نتلمّسه في حديثه عن علاقة الاسم بالمسمى، وهي قضية خلافية أيضا بين المعتزلة والأشاعرة. ولقد كان من نتائج تسوية الاشاعرة بين المعنى النفسي والكلام أنهم على مستوى الدلالة اللغوية لم يفرّقوا بين الاسم والمسمى واعتبروهما شيئا واحدا «إن الاسم هو المسمى بعينه وذاته والتسمية الدالّة عليه تسمى اسما على سبيل المجاز» وقد كانت التفرقة بين المعاني النفسية والكلام هي المقدمة الطبيعية لتفرقة المعتزلة بين الاسم والمسمى، واعتبار الاسم إشارة إلى المسمى. غير أن هذا الخلاف يرتدّ بدوره إلى قضية الخلاف حول صفات الله عز وجل ومنها صفة الكلام وحول حدوثها وقدمها. واتفق المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية على أن «أسماء الباري هي غيره وكذلك صفاته» وذهبوا إلى أن «الأسماء والصفات هي الأقوال، وهي قولنا الله عالم، الله قادر، وما أشبه ذلك» وكان من الطبيعي أن يمتدّ هذا الخلاف ويسحب ظلّه على قضايا الدلالة اللغوية. وكلا الفريقين على أي حال متسق مع وجهة نظره العامة في التوحيد والكلام والمواضعة اللغوية.
وكان على المعتزلة أن يكشفوا بطريقة أو بأخرى عن طبيعة العلاقة بين الاسم والمسمى. تلك العلاقة التي سكت عنها الأشاعرة بحكم توحيدهم بين الكلام والمعاني النفسية، ومن ثمّ بين الاسم والمسمى. ومن الطبيعي كذلك أن يدور هذا الخلاف حول الآية التي سبق أن دار الخلاف حولها في قضية المواضعة وهي قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا} (البقرة / 31) . ومن استعراض آراء المفسّرين القدماء لهذه الآية لا نجد أي ظل لهذا الخلاف غير أن الطبري نفسه (ت 310هـ) وهو أقرب إلى أهل السنة منه إلى المعتزلة يفرّق بين الاسم
والمسمى ولا يعتبرهما شيئا واحدا. ويهاجم عند تفسير البسملة أبا عبيدة معمر بن المثنى (ت 207هـ) لقوله في بيت لبيد: