فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 269

وكما تدلّ الإشارة إذا تقدّمت عليها مواضعة، تدلّ المعجزة كدلالة الكلام، إذا وقعت بعد ادّعاء النبي أنه نبي، وأن علامة صدقه أن تنقلب العصا حية. فإذا انقلبت العصا حية كان هذا الفعل دلالة على صدق النبي، وذلك للاتفاق السابق بينه وبين من يتحدث إليه. فإذا انتفى شرط الاتفاق السابق بين النبي وقومه لم يكن لانقلاب العصا أي دلالة. ومعنى ذلك أن المعجزة لا تدلّ على صدق النبي إلّا باتفاق سابق أو مواضعة سابقة على دلالتها «وعلى هذا الوجه تنزل المعجزات منزلة التصديق بالقول فنقول: إذا صحّ لو صدقه تعالى، عند ادّعائه النبوة والرسالة كونه نبيا، فكذلك إذا فعل ما يحلّ هذا المحل من المعجزات، لأن مجموع قوله: اللهم إن كنت صادقا فيما ادّعيت من الرسالة فاقلب العصا حية، ثم وقوع ما سأل عنه مطابقا لمسألته بمنزلة المواضعة المتقدمة على التصديق، بل ذلك أقوى في بابه، لأن من حق التصديق بالقول أن يقع فيه، والحال هذه، المجاز والاستعارة لأمر يرجع إلى ذات الكلام، وصحة هذه الطريقة فيه. ولا يتأتى ذلك في الفعل المخصوص إذا التمسه الرسول من المرسل للمرسل اليه» فالمعجزة شأنها شأن الكلام إذا وقعت تصديقا لادّعاء النبي. بل يذهب القاضي إلى أنها أشدّ

دلالة، وأقوى في بابه، لأنها لا تحتمل المجاز ولا الاستعارة الذي يحتمله الكلام لأمر يرجع إلى طبيعته الخاصة.

وإذا كانت دلالة الكلام في باب المعجزات أقلّ من الفعل لجواز وقوع المجاز والاستعارة فيه، فإن الكلام يتميّز عن الاشارات والحركات بأنه يعبّر باتساع عن حاجات الناس ومطالبهم، وهي حاجات لا تستطيع الاشارات والحركات لضيقها ومحدوديتها أن تتسع له. ويربط الجاحظ بين وسائل البيان والحاجات البشرية الاجتماعية. وإذا كان الانسان في نظر الجاحظ اجتماعيا بطبعه، فمن الطبيعي أن يحسّ بالحاجة للابانة عن نفسه والتواصل مع غيره من بني البشر «فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى، واحتياج الأقصى إلى معرفة الأدنى وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا، كحاجة من كان قبلنا إلى اخبار من كان قبلهم، وحاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا» فلا بدّ إذن من وسيلة لنقل المعرفة والخبرة، والتواصل بين القريب والبعيد، وبين الماضي والحاضر والمستقبل. ولا تترك العناية الإلهية الانسان دون أن تكمل له وسائله وحاجاته. وعلى قدر تعدد الحاجات للابانة، تتعدد وسائل الابانة، وعلى ذلك فإن الله «لم يرض لهم من البيان بصنف واحد وجعل آلة البيان التي بها يتعارفون معانيهم، والترجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم في أربعة أشياء هي: اللفظ، والخط، والإشارة، والعقد»

يتفق القاضي عبد الجبار مع الجاحظ في تأكيد وجه المصلحة في وجود وسيلة للابانة، وإن اختلف معه في التفرقة بين الاشارة والكلام، اللذين وحّد الجاحظ بينهما في النص السابق، وذلك بناء على تفرقته بينهما من حيث الضيق والاتساع «إن حاجة العقلاء لمّا دعت إلى الإنباء عمّا في النفس، لما فيه من النفع، ودفع الضرر، وعلموا أن ذلك وإن صح بالمواضعة على الحركات وغيرها فلا يتسع ذلك اتساع الكلام، اقتضى ذلك المواضعة على الكلام الذي عند التأمل تعرف أنه أشدّ اتساعا من كل ما تصح فيه المواضعة. وليس يمتنع أن يعرفوا ذلك الهاما، أو بالتأمل، أو الاختبار، وللاجتماع في ذلك من التأثير ما ليس للانفراد، لأن جميعهم إذا تعارفوا على المراد قل فيه اللبس وظهر فيه الغرض» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت