فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 269

شربت إذا ما الديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا»

ويقول في قوله تعالى {قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ} «هذا مجاز الموات الذي يشبه تقدير فعله بفعل الآدميين» وهي نفس النظرة التي ينظر بها إلى الآيات وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ

يَسْبَحُونَ و {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} .

إذا تركنا أبا عبيدة، وانتقلنا لمعاصره الفراء، فسنجد تحديدا أدق لمفهوم المجاز، أو التجاوز في الدلالة عموما. وإذا كان الفراء لم يستخدم كلمة «مجاز» التي جعلها أبو عبيدة عنوانا لكتابه، فإنه استخدم صيغة الفعل «تجوز» وذلك حين تعرّض لقوله تعالى {فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ} حيث اعتبر اسناد الربح الى التجارة تجوزا في التعبير. وهذا الاستعمال للفعل «تجوز» في هذا السياق يعني أن مفهوم «المجاز» أو «التجوز» قد تقدّم على يد الفراء خطوة بعد أبي عبيدة، وذلك أن معنى «تجوز في كلامه أي تكلم بالمجاز» .

يقول الفراء في تعليقه على هذه الآية «ربما قال القائل: كيف تربح التجارة وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيعك وخسر بيعك، فحسن القول بذلك، لأن الربح والخسران إنما يكون في التجارة، فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم. ومثله من كتاب الله: {فَإِذََا عَزَمَ الْأَمْرُ} وإنما العزيمة للرجال، ولا يجوز الضمير إلّا في مثل هذا. فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك إن كنت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه أو يوضع، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يوضع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجوزا فيه.

فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك وخسر بزك ورقيقك، كان جائزا لدلالة بعضه على بعض» ولعله من المفيد أن نتوقف قليلا أمام هذا النص محاولين استجلاء مفهوم التجاوز في التعبير عند الفراء. وأول ما يلفت الانتباه في هذا النص محاولة الفراء شأن أبي عبيدة والمفسرين قبله أن يردّ العبارة القرآنية إلى كلام العرب، ثم أن يبين أن سبب التجاوز هو أن «الربح والخسران إنما يكون في التجارة فعلم معناه» أي أن التجاوز في الاسناد لم يؤدّ إلى غموض المعنى بسبب تلك الصلة القائمة بين التاجر الفاعل الحقيقي للربح وبين التجارة التي يحدث فيها الربح ولذلك فذهن القارئ ينصرف فورا إلى أن المعنى هو ربح التاجر في التجارة. والرغبة في وضوح المعنى هي التي تجعل الفراء يرفض التجاوز في مثل «خسر عبدك» إذا كنت تريد أن تجعل العبد تجارة لا تاجرا. والذي يجعل الفراء يرفض التجاوز في هذا التركيب أن جملة «خسر عبدك» تحتمل معنيين: المعنى الأول: أن يكون العبد تاجرا في مال سيده فيخسر، وبذلك يكون الاسناد حقيقيا لا مجازيا. والمعنى الثاني: أن يكون العبد نفسه تجارة يخسر فيها السيد، وهنا يكون الاسناد مجازيا، أو متجوزا فيه على حد تعبير الفراء. يرفض الفراء هذا التركيب

لأنه يؤدي إلى غموض يعوقنا عن فهم المراد، وذلك لأنه يحتمل الاسناد الحقيقي والمجازي معا دون مرجح أو قرينة ترجح بينهما. فإذا ورد تركيب مشابه لهذا التركيب في سياق يفهم منه المعنى كأن تقول «قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزك ورقيقك» كان جائزا لدلالة بعضه على بعض. والذي يهمنا في هذا النص هو التفات الفراء لمعنى التجاوز في التعبير، واستخدامه لكلمة «التجوز» التي هي أقرب إلى كلمة «مجاز» ثم ادراكه للعلاقة بين المجاز والحقيقة في اسناد الفعل إلى غير فاعله، وذلك لوجود علاقة بين الفاعل الأصلي والفاعل النحوي في العبارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت