وإذا كان خصوم المعتزلة قد نهجوا نهج المعتزلة في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه، فإنهم قد اختلفوا معهم في تحديد الآيات المحكمة، كما اختلفوا معهم في تحديد الآيات المتشابهة. وراح كل فريق منهم يعطي نفسه الحق في التأويل، ويعتبر نفسه المقصود بالراسخين في العلم في الآية الكريمة، وانتهى القرآن بين المتنازعين إلى أن صار مجالا للجدل واللجاج والخصومة حتى صدق على القرآن «ما قاله في الانجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة: بيتر فيرفير نفلس «كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه» . ولم يسترح كثير من الفقهاء وأهل الظاهر إلى هذا المسلك من كلا الفريقين، فذهبوا إلى أن كل ما جاء به القرآن حق، وأنه «يدل على الاختلاف فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب والقول بالاجبار صحيح وله أصل في الكتاب ومن قال بهذا فهو مصيب ومن قال بهذا فهو مصيب لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين واحتملت معنيين متضادين. وسئل يوما (يعني عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة) عن أهل القدر وأهل الاجبار فقال كل مصيب هؤلاء قوم عظّموا الله وهؤلاء قوم نزّهوا الله.
قال وكذلك القول في الأسماء فكل من سمّى الزاني مؤمنا فقد أصاب ومن سمّاه كافرا فقد أصاب، ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب، ومن قال هو منافق ليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب، ومن قال هو كافر وليس بمشرك فقد أصاب ومن قال هو كافر مشرك فقد أصاب لأن القرآن قد دل على كل هذه المعاني.
قال وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه والقول بالسعاية وخلافه وقتل المؤمن بالكافر ولا يقتل مؤمن بكافر وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب. قال ولو قال أنّ القاتل في النار كان مصيبا ولو قال هو في الجنة كانت مصيبا ولو وقف فيه وأرجأ أمره كان مصيبا إذ كان إنما يريد بقوله أن الله تعالى تعبده بذلك وليس عليه علم الغيب. وكان يقول في قتال علي لطلحة والزبير وقتالهما له إن ذلك كله طاعة لله تعالى».
وكان من الطبيعي أن يكون هذا الرأي عرضة لهجوم الطرفين المعتزلة وأهل السنة وغرضا لسخريتهما. فالقاسم الرسى يقول: «وقد أنكرت الحشوية من أهل القبلة رد المتشابه إلى المحكم، وزعموا أن الكتاب لا يحكم بعضه على بعض.
وأن كل آية منه ثابتة واجب حكمها بوجوه تنزيلها وتأويلها، ولذلك ما وقعوا في التشبيه وجادلوا عليه لما سمعوا عن متشابه الكتاب فلم يحكموا عليه بالآيات التي جاءت بنفي التشبيه».