وتعدّ رسالة الحسن البصري «في القدر» أقدم ما تحت أيدينا من وثائق الخلاف العقائدي، وما ارتبط به من التأويل بهدف اثبات فكرة معينة، وهي مسئولية الانسان عن فعله، ونفي مسئولية الله عن أفعال البشر. ومنهج الرسالة، وأسلوبها الجدلي يعدّان بذورا طبيعية لنهج الفكر الاعتزالي وأسلوبه حتى عصر القاضي عبد الجبار، باستثناء خلو رسالة الحسن من أي أثر لمنطقية التفكير، واتساع الفكرة وتشعبها. ولا يخفي أسلوب الرسالة البسيط تلك النزعة الجدلية في صورتها الباكرة، والتي أصبحت فيما بعد سمة غالبة على المصنفات الاعتزالية. أمّا منهج الرسالة فهو تقرير الفكرة أولا «فإن الله تبارك وتعالى يقول، وقوله الحق:
{وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمََا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} فأمرهم الله بعبادته التي لها خلقهم، ولم يكن ليخلقهم لأمر ثم يحول بينهم وبينه، لأنه تعالى ليس {بِظَلََّامٍ لِلْعَبِيدِ»} ثم يسهب الحسن في ايراد آيات قرآنية كثيرة تدلل على صحة مذهبه. وكلها آيات سيتعرض لها المعتزلة فيما بعد. ثم ينتقل الحسن بعد ذلك للآية التي كان يستشهد بها الخصوم والتي تعرّضنا لها فيما سبق ويحاول تأويلها تأويلا يردها إلى الآيات التي تثبت فكرته. لا يشير الحسن بالطبع إلى «محكم» أو «متشابه» أو «مجاز» وهذا أمر طبيعي، فلم تكن المصطلحات قد صار لها كما أصبح لها عند المتأخرين هذا الوزن والتقدير.
والذي تجدر الاشارة إليه أن الحسن حين يؤول الآية التي استشهد بها الخصوم، يفسّر «الشرح» على أنه ثواب على طاعة العبد، و «التضييق» عقاب على كفره. ولعل الحسن بهذا التفسير وضع البذرة الأولى لفكرة «اللطف» الذي يمنحه الله لمن يعلم أنه يختار الايمان، ولذلك يجوّز الحسن ووراءه المعتزلة أن ينسب الهدى والايمان لله دون أن يؤدي ذلك إلى الجبر، وذلك على أساس أن الله يلطف بالعبد، أو يمنحه لطفا، يكون عنده أقرب إلى اختيار الايمان. فنسبة الايمان والحال هذه لله نسبة صحيحة، بعكس نسبة الكفر أو الاضلال إليه سبحانه.
يؤكّد ذلك أن الحسن يجعل الآية كلها رحمة من الله للعباد، وترغيبا لا ايئاس وقطع رجاء. ولا يخرج الزمخشري في تفسيره للآية عن هذا التفسير الذي يقوله الحسن، غير أنه يستخدم مصطلحات الفكر الاعتزالي الناضج. يقول: {فَمَنْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف «يشرح صدره للاسلام» يلطف به حتى يرغب في الاسلام وتسكن إليه نفسه ويجب
الدخول فيه {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} أن يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسدّ فلا يدخله الايمان».