وإذن فلم يكن مجاهد بعيدا عن جو الجدل العقائدي، والخلاف حول القدر، وحول الحرية والجبر، وما يحكى عن نزعته العقلية، وما نسب إليه «من الميل إلى تتبع التصورات الشعبية بالدرس والفحص، والانتقال بنفسه إلى الأماكن التي يتصل بها شيء من الخوارق الخرافية، ليجد لنفسه تفسيرا لها عن عيان وشهادة» كل ذلك يقرّبه من المعتزلة أكثر مما يباعده عنهم، على الأقل في هذا النزوع العقلي، والرغبة في التثبت، حتى ليعدّه جولد تسيهر سابقا على المعتزلة في تأويلاته العقلية ورائدا لهم في مسائل متفرقة «ولكن فضل المعتزلة ينحصر في أنهم
جعلوا هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية الدالّة على التشبيه».
وإذا كان مجاهد قد عرّف المتشابهات بايراد بعض الآيات المتشابهة، فإن مفسرا آخر هو محمد بن جعفر بن الزبير يعرّف المحكم والمتشابه تعريفا نظريا مجردا يشير فيه دون أن يصرّح لمفهوم الغموض في المتشابه. يقول معرّفا المحكمات بأن «فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعت له» أمّا المتشابهات فهي متشابهات «في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل. ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق» . وهذه التفرقة إلى جانب اثارتها لمشكلة الوضوح والغموض تقترب كثيرا من مفهوم المعتزلة من جانبين: الجانب الأول أن المتشابه هو ما يحتاج لتأويل أو تصريف عمّا وضع له في أصل اللغة، وهنا يرتبط التأويل بالمجاز ربطا واضحا.) أمّا الجانب الثاني فهو أن محمد بن جعفر بن الزبير يلمح الغاية وراء ايراد المتشابه. ويحددها بأنه الابتلاء والامتحان والاختبار.
وهي فكرة سيتوسع فيها القاضي عبد الجبار بعد ذلك ويربطها بفكرة التكليف العقلي السابقة على التكليف الشرعي.
وإذا كان ابن عباس في الرواية التي قبلناها عنه قال عن نفسه «أنا ممن يعلم تأويله» ، فقد ذهب مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير إلى أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه.
أمّا الرواية الأخرى عن ابن عباس، وهي الرواية التي فسّرت المتشابه على أنه الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد فسّرت التأويل على أنه «المتأول» أو العاقبة وقال: «وما يعلم تأويله إلّا الله» ، يعني تأويله يوم القيامة «إلّا الله» ومعنى ذلك أن التأويل هنا بمعنى العاقبة، وهو ما يذهب إليه السدى ايضا، ولكن على أنهم «إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله جل ثناؤه شرعها لأهل الاسلام قبل مجيئه، فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك» . وبناء على هذا التعريف يذهب كل من ابن عباس والرواية ضعيفة عنه والسدى وهشام بن عروة، وأبو نهيك الأسدي وعمر بن عبد العزيز، والامام مالك، ويضيف الطبري اليهم روايات عن السيدة عائشة. يذهبون جميعا إلى أن «الراسخون في العلم» مقطوع عمّا قبله، وأنه كلام مستأنف، وبذلك يكون «الراسخون في العلم» لا يعلمون معنى المتشابه. والطبري نفسه يأخذ جانب هذه الروايات في كل جوانبها، أعني في سبب النزول ومعنى المتشابه والتأويل واعراب الآية على القطع لا العطف.