ويستشهد الحسن البصري في هذه الرسالة بآيتين من الآيات الثلاث التي استشهد بها مجاهد وذلك حيث يقول: «وذلك أن الله تعالى جعل فيهم من القدرة ما
يتقدمون بها ويتأخرون، وابتلاهم لينظر كيف يعملون، وليبلو أخبارهم فلو كان الأمر كما يذهب إليه المخطئون لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخروا، ولما كان لمتقدم أجر فيما عمل ولا متأخر لوم فيما لم يعمل، لأن ذلك بزعمهم ليس منهم ولا إليهم ولكنه من عمل ربهم. واذن لما قال: {وَيُضِلُّ اللََّهُ الظََّالِمِينَ،} {وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولََئِكَ هُمُ الْخََاسِرُونَ} .
وإذا كان الحسن البصري يستشهد بهذه الآية على تعلق فعل الانسان به وقدرته عليه ومسئوليته عنه، فإن الآية الثانية التي اعتبرها مجاهد من المتشابهات، يعدّها الحسن البصري أيضا من المتشابهات وإن لم ينص على ذلك، ولكن تأويله لها ينبئ عن أنها كانت سلاحا في يد القائلين بالجبر يشهرونه في وجه المعتزلة.
يقول «ومما يجادلون فيه قول الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلََامِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمََا يَصَّعَّدُ فِي السَّمََاءِ، كَذََلِكَ يَجْعَلُ اللََّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام / 125) فتأوّلوا بجهلهم، على أن الله تعالى، خصّ قوما بشرح الصدور بغير عمل صالح قدموه، وقوما بضيق الصدور يعني القلوب، بغير كفر كان منهم ولا فسق ولا ضلال، ولا لهؤلاء سبيل إلى ما كلفهم من الطاعة، وهم مخلدون في النار طول الأبد، وليس ذلك يا أمير المؤمنين، كما ذهب إليه الجاهلون والمخطئون. ربنا أرحم وأعدل وأكرم من أن يفعل ذلك بعباده» . ويعود الحسن ليؤول الآية من وجهة نظره قائلا: «وإنما ذكر الله، يا أمير المؤمنين، الشرح والضيق في كتابه، رحمة منه لعباده، وترغيبا منه لهم في الأعمال التي يستوجبون بها، في حكمته، أن يشرح صدورهم، وتزهيدا منه لهم في الأعمال التي يستوجبون بها، في حكمته، تضييق الصدور، ولم يذكر لهم ليقطع رجاءهم، ولا ليؤيسهم من رحمته وفضله، ولا ليقطعهم عن عفوه ومغفرته وكرمه، إذا هم صلحوا» .
وإذن فلم يكن مجاهد بعيدا عن جو الجدل العقائدي، والخلاف حول القدر، وحول الحرية والجبر، وما يحكى عن نزعته العقلية، وما نسب إليه «من الميل إلى تتبع التصورات الشعبية بالدرس والفحص، والانتقال بنفسه إلى الأماكن التي يتصل بها شيء من الخوارق الخرافية، ليجد لنفسه تفسيرا لها عن عيان وشهادة» كل ذلك يقرّبه من المعتزلة أكثر مما يباعده عنهم، على الأقل في هذا النزوع العقلي، والرغبة في التثبت، حتى ليعدّه جولد تسيهر سابقا على المعتزلة في تأويلاته العقلية ورائدا لهم في مسائل متفرقة «ولكن فضل المعتزلة ينحصر في أنهم
جعلوا هذه الطريقة تستوعب جميع دائرة العبارات القرآنية الدالّة على التشبيه».