فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 269

ولا يختلف هذا التأويل عمّا ذكره الامام يحيى في مادة «الضلال» ، بل يلتقي

التأويلان لتأكيد حرية الانسان ونفي الجبر والالجاء والقسر عنه، وبذلك تتحدد مسئوليته عن فعله، وينتفي الظلم عن الله عز وجل «قوله، سبحانه {وَأَضَلَّهُ اللََّهُ عَلى ََ عِلْمٍ،} وقوله {يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ،} و {يُضِلُّ اللََّهُ الظََّالِمِينَ}

و {كَذََلِكَ يُضِلُّ اللََّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتََابٌ،} ونحو هذا في القرآن كثير. يعني في جميع ذلك، أنه يوقع عليه اسم الضلال ويدعوه به بعد العصيان والطغيان، لا أنه يغويهم عن الصراط المستقيم كما أغوى فرعون قومه، وان أشبه اللفظ فمعناه متباين مفترق عند أهل العلم، إذ الله عز وجل، رحيم بعباده، ناظر لخلقه، وفرعون كافر لعين ملعون مضل غوي، وهو، عز وجل، قد عذّب فرعون على فعله وضلاله وقبح سوء فعله بنفسه وقومه، وكيف يغوي خلقه ويضلهم ولا يرشدهم ثم يعذبهم على فعله، إذا لكان لهم ظالما وعليهم متعديا، وهو مع ذلك يعيب على من فعل مثل هذا الفعل».

وهكذا يصبح التأويل والمحكم والمتشابه عند الامام يحيى كما كانا عند الامام القاسم الرسى وجهين لقضية واحدة، وإذا كان كلاهما لم يستخدم مصطلح «المجاز» فذلك لأن «التأويل» مصطلح يشمل «المجاز» عند الشيعة، خصوصا عند المتأخرين منهم. ومع ذلك كله «فالتأويل» و «المجاز» عند المعتزلة أنفسهم يشيران إلى معنى واحد في التحليل النهائي وإذا كان كل من أبي عبيدة والفراء والجاحظ وابن قتيبة قد أسهبوا في بيان كثير من التفاصيل والأنواع التي تدخل كلها تحت مصطلح «المجاز» بمعناه العام، فإنهم في نفس الوقت قد ربطوه بغاية محددة هي «التأويل» بمعناه اللغوي الذي يعني الشرح والتفسير ولكن بشيء من النظر والتأمل واعمال الفكر. وسنجد أن القاضي عبد الجبار قد استفاد من كل هذه الجهود وإن كان له فضل الصياغة النهائية والربط الكامل بين وجوه «التأويل» و «المجاز» و «المحكم والمتشابه» من جهة، وبين الأسس الفكرية والعقلية للمدرسة الاعتزالية في شكلها الناضج والنهائي من جهة أخرى.

أفرد القاضي عبد الجبار ضمن مؤلفاته العديدة كتابا كبيرا من قسمين لتأويل متشابهات القرآن وردها إلى المحكمات. وقدّم بين يدي هذا الكتاب مقدمة ضافية وضع فيها الأسس والقواعد التي ينبغي أن تحكم عملية التأويل وتضبطها. هذا علاوة على المواضع الكثيرة التي تناول فيها هذه القضية في موسوعته الضخمة

«المغني في أبواب التوحيد والعدل» وفي شرحه للأصول الخمسة كذلك. والأساس عنده أن القرآن كلام الله، والكلام ليس صفة من صفات الذات، وإنما هو صفة من صفات الأفعال (لأنه محدث على وجه مخصوص) . وهو كلام قصد به منفعة البشر وهدايتهم ولذلك فلا بدّ من أن يكون دلالة، وإلّا انتفت عنه صفة المنفعة، وانتفت الحكمة بالتالي عن فعل من أفعال الله. «والقول إذا كان بلغة مخصوصة فقد وضع ليدل على المراد، فمتى خاطب به الحكيم الذي لا تصح عليه الحاجة إلّا ليفيد به المخاطب، فقد خاطب به على وجه يقبح» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت