فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 269

يحسّ الباحث أن من الضروري قبل بيان كيفية الانتقال في اللغة عند المعتزلة من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، البدء ببيان الجوانب المتعددة التي دخلت تحت مفهوم المجاز. ويعدّ الجاحظ كما سنرى أول من تبلور على يديه مصطلح المجاز باعتباره قسيما للحقيقة ومقابلا لها. وقد حدد ابن قتيبة (ت 276هـ) المتأثر بالجاحظ بشكل واضح جوانب المجاز وجعلها تشمل «الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والاخفاء والاظهار والتعريض والافصاح والكناية والايضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، مع أشياء أخرى كثيرة» وهي كلها ظواهر أسلوبية تعني التغير في الدلالة، والخروج بها عن دلالة المواضعة الشائعة. والذي يهمنا هنا هو تحديد كيفية بلورة هذه الجوانب على يدي المفسّرين منذ ابن عباس حتى وصلت إلى الجاحظ وابن قتيبة.

ويعدّ مصلح «المثل» أكثر المصطلحات المجازية ورودا في القرآن الكريم، سواء في أصله الثلاثي أو في مشتقاته المتعددة، وهو يتراوح بين عدّة معان أهمها «الصفة العجيبة كأنها لغرابتها يشبّه بها ويتمثّل» ومعنى ذلك أن مصطلح «المثل» يصبح قريبا جدا من معنى «التشبيه» ويدلّ عليه. ومما يؤكّد هذا التطابق الذي يكاد يكون تاما بين «المثل» و «التشبيه» أن مادة «شبه» في القرآن لا تأتي إلّا بمعنى الاشتباه والاختلاط والتداخل وعدم القدرة على التمييز «شبه الشيء تشبيها، أشكل. وشبه عليه. خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره. وشبه عليه الأمر: لبس عليه» والمعنى واضح في المشتقات الأخرى للمادة أنه هو الاختلاط، وذلك في «تشابه» و «مشتبه» و «متشابه» .

ولم يرد لفظ «الكناية» في القرآن، وإن وردت المادة في معنى الاخفاء

والستر. وترد في معنى «الكناية» أو قريبا منها «التعريض» وهي خلاف التصريح وهو «ما توسع في دلالته فصار له وجهان ظاهر وباطن» وذلك في قوله تعالى {فِيمََا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسََاءِ} (البقرة / 235) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت