فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 269

ولا يكتفي القاضي بهذا التوحيد بين الخبر والدلالة اللغوية، بل إنه يوحّد بين كل الصيغ التعبيرية في اللغة كالأمر والنهي والطلب والاستفهام والتعجب، والنداء، ويعتبر «الخبر» هو أصل كل هذه الصيغ «اعلم أن الخبر هو الأصل في الكلام المفيد، لأن الفوائد الواقعة بالكلام أجمع لا بدّ من أن تكون راجعة إلى الخبر أو إلى معناه. لكنه ربما تتأوّل الفائدة بصريح لفظه فيكون خبرا، وربما أفاد من جهة المعنى فلا يسمى خبرا، والفائدة لا تختلف. يبين ذلك أن الأمر يحل محلّ قوله (أريد منك أن تفعل) والنهي يحلّ محلّ قوله (أكره أن تفعل) . وإذا استخبر غيره

حلّ محلّ قوله (أريد منك أن تخبر) . وإذا دعا ونادى حلّ محلّ قوله (أريد منك أن تصغي إلى ما أقول وتتوجه إلى) إلى ما شاكل ذلك. لكن اللغة لمّا ثبتت على طريق الحكمة فصل بين أن يكون المتكلم مفيدا للأمور الثابتة أو المنفية وكلامه الذي هو عبارة عنه، وبين أن يظهر إرادته لما يريده، وكراهيته لما يكرهه منه، لأن ذلك أمر متجدد ليس بظاهر. فإذا أراد إظهاره للغير بقول موضوع لذلك خالف القول الذي وضع ليعبّر به عن الأمور الثابتة، فلذلك ما صاغوا، عند المواضعة، أقوالا مختلفة النظام لهذه الفروق المعقولة، ثم وجدوا الخبر تختلف حاله في الفائدة، فقسّموه أقساما يرجع جميعها إلى الخبر، لأن زيادة فوائده لا تخرجه عن أن يكون خبرا. وذلك نحو وصفهم لبعض الأخبار بأنه جحود، وتشبيه، ونفي، واثبات، ووعد، ووعيد، وقسم، وخصوص، وعموم، إلى غير ذلك» ومعنى ذلك أن الخبر أو «الإخبار» هو الوظيفة الأساسية للغة، وإلى معناه ترتدّ كل أبنية اللغة. وكما أن اللغة تدلّ بشرطين هما المواضعة والقصد، فكذلك الخبر لا يقع خبرا إلّا بإرادة المتكلم، ولا نستطيع الحكم عليه بالصدق والكذب إلّا بعد العلم بحال المتكلم وأنه لا يختار القبيح ولا يكذب في أخباره.

وننتهي من قضية البحث في الدلالة اللغوية عند المعتزلة إلى ملاحظة هذا التداخل الكامل بين وظيفة اللغة من جانب، وبين شرطي دلالتها من جانب آخر، وهما المواضعة والقصد. وإذا كانت العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة انفصام لا يربطها سوى قصد الجماعة التي تتواضع على هذه العلاقة، فإن العلاقة بين العبارة التركيب وما تدلّ عليه من المعنى النفسي على المستوى البشري، ومن القصد على المستوى الإلهي هي أيضا علاقة انفصام. وبذلك انتهى المعتزلة إلى الفصل بين المعنى واللفظ على مستوى الأفراد، وإلى الفصل بين العبارة والمعنى على مستوى التركيب.

وليس معنى ذلك أن الأشاعرة لم ينتهوا إلى نفس النتيجة، رغم أنهم كما سبقت الاشارة وحّدوا بين الكلام والمعنى القائم في النفس. فاعتبار الكلام دلالة على ما في النفس، والتسوية بين الكلام وبين الخط والاشارة في الدلالة على هذا المعنى يؤكد هذا الانفصال بين الدلالة والمدلول عليه والخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة من هذا الجانب خلاف ديني أو كلامي كما سبقت الاشارة.

أما كيف تنتقل الدلالة اللغوية من مستوى الحقيقة إلى مستوى المجاز، وكيف يمكن أن تعبّر، من ثمّ، عن قصد المتكلم ومعانيه؟ فذلك أمر سيتناوله النص التالي بالتفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت