وإذا كانت العلاقة على مستوى المفردات اللغوية علاقة انفصام، فإنها كذلك
أيضا على مستوى التركيب. فثمّ معان في النفس. وثمّ عبارات تدلّ عليها. وإذا كان الأشاعرة قد وحّدوا بين الدلالة والمدلول فقد فصل المعتزلة بينهما. وعلى مستوى الكلام الإلهي امتنع المعتزلة عن استخدام عبارة «المعاني النفسية» واستخدموا بدلا منها كلمة «القصد» . وكما أن التسمية تحسن للاخبار عن الشيء، فكذلك العبارة «تنبئ» أو «تخبر» عن قصد المتكلم.
ولا يكفّ القاضي عبد الجبار في حديثه عن الدلالة اللغوية، من ادخال الخبر فيها حتى ينتهي به الأمر إلى التوحيد بينهما. فلا يكفي في الخبر لكي يكون خبرا الصيغة اللغوية المعروفة بالجملة الخبرية، ولا تكفي المواضعة السابقة، بل لا بدّ من اعتبار إرادة المتكلم للاخبار وقصده إليه «اعلم أنه لا يكفي في كونه خبرا صيغة القول ونظامه، ولا المواضعة المتقدمة، بل لا بدّ من أن يكون المتكلم مريدا للاخبار به عما هو خبر عنه، لأن جميع ما قدمناه، قد يحصل ولا يكون خبرا، إذا لم يكن مريدا لما قلناه. ومتى حصل مريدا صار خبرا، فيجب أن يكون لأجله يكون خبرا، وإن كان لا بدّ من تقدم المواضعة، أو ما يجري مجراها، كما لا بدّ من ظهور القول وكما لا بدّ من وقوعه من قبل المريد، وكل ذلك شروط مصححة لكونه خبرا» .
ويؤكّد القاضي هذه الفكرة مرة أخرى، ولكن على مستوى الكلام الإلهي، حيث يوحّد أيضا بين الكلام والخبر. وهو هنا يشترط معرفة حال «المخبر» من أنه لا يكذب ولا يختار القبيح، وذلك حتى نعلم صدقه في خبره «لأن الخبر إذا جاز، والصنعة واحدة، أن يقع كذبا، فيجب أن يعلم من حال فاعله أنه ممن لا يفعل الكذب، حتى يكون دلالة. لأن هذا الخبر نفسه قد يجوز كونه خبرا عن المخبر الذي إذا كان خبرا عنه كان كذبا، وعن المخبر الذي إذا كان خبرا عنه كان صدقا، فلا بدّ من أمر به يعلم أنه بأن يكون صدقا أولى من أن يكون كذبا، وهو أن يعلم من حال فاعله أنه لا يختار الكذب» .
ولا يكتفي القاضي بهذا التوحيد بين الخبر والدلالة اللغوية، بل إنه يوحّد بين كل الصيغ التعبيرية في اللغة كالأمر والنهي والطلب والاستفهام والتعجب، والنداء، ويعتبر «الخبر» هو أصل كل هذه الصيغ «اعلم أن الخبر هو الأصل في الكلام المفيد، لأن الفوائد الواقعة بالكلام أجمع لا بدّ من أن تكون راجعة إلى الخبر أو إلى معناه. لكنه ربما تتأوّل الفائدة بصريح لفظه فيكون خبرا، وربما أفاد من جهة المعنى فلا يسمى خبرا، والفائدة لا تختلف. يبين ذلك أن الأمر يحل محلّ قوله (أريد منك أن تفعل) والنهي يحلّ محلّ قوله (أكره أن تفعل) . وإذا استخبر غيره
حلّ محلّ قوله (أريد منك أن تخبر) . وإذا دعا ونادى حلّ محلّ قوله (أريد منك أن تصغي إلى ما أقول وتتوجه إلى) إلى ما شاكل ذلك. لكن اللغة لمّا ثبتت على طريق الحكمة فصل بين أن يكون المتكلم مفيدا للأمور الثابتة أو المنفية وكلامه الذي هو عبارة عنه، وبين أن يظهر إرادته لما يريده، وكراهيته لما يكرهه منه، لأن ذلك أمر متجدد ليس بظاهر. فإذا أراد إظهاره للغير بقول موضوع لذلك خالف القول الذي وضع ليعبّر به عن الأمور الثابتة، فلذلك ما صاغوا، عند المواضعة، أقوالا مختلفة النظام لهذه الفروق المعقولة، ثم وجدوا الخبر تختلف حاله في الفائدة، فقسّموه أقساما يرجع جميعها إلى الخبر، لأن زيادة فوائده لا تخرجه عن أن يكون خبرا. وذلك نحو وصفهم لبعض الأخبار بأنه جحود، وتشبيه، ونفي، واثبات، ووعد، ووعيد، وقسم، وخصوص، وعموم، إلى غير ذلك» ومعنى ذلك أن الخبر أو «الإخبار» هو الوظيفة الأساسية للغة، وإلى معناه ترتدّ كل أبنية اللغة. وكما أن اللغة تدلّ بشرطين هما المواضعة والقصد، فكذلك الخبر لا يقع خبرا إلّا بإرادة المتكلم، ولا نستطيع الحكم عليه بالصدق والكذب إلّا بعد العلم بحال المتكلم وأنه لا يختار القبيح ولا يكذب في أخباره.