فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 269

لا، ولكن رأيته على القصر. فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لم يجز ذلك، فثبت أن

اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازا، وإذا ثبت ذلك، فيجب أن نحمل هذه الآية على وجه يوافق دلالة العقل». وإذن فإن المعتزلة يفرقون بين «اللقاء» و «الرؤية» أولا، وهي تفرقة دلالية دقيقة، ثم يلجئون بعد ذلك إلى تأويل اللقاء بأنه لقاء الله أو الملائكة على أساس أن الله ذكر نفسه وأراد غيره، على طريقة حذف المضاف واقامة المضاف اليه مكانه وهي طريقة تعبيرية مشروعة لها سند من القرآن وكلام العرب. وفي مقابلة هذا المسلك اللغوي والنحوي من جانب القاضي عبد الجبار في تأويله الآية، يقابلنا المسلك البلاغي عند الزمخشري الذي يرى أن في الآيات تمثيلا. يرى أن التحية في قوله {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلََامٌ} مثل وكذلك اللقاء.

لا يتبقى أما المعتزلة من آيات يستشهد بها على جواز الرؤية سوى قوله تعالى:

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ََ وَزِيََادَةٌ} ويتأوّل الخصوم كلمة الزيادة على أساس أنها رؤية الله، وهو تأويل هزيل لا سند له من اللغة ولذلك لا يجد المعتزلة أدنى عناء في ردّه، بل والسخرية منه.

أمّا الرد فهو معارضة ما رواه الخصوم في تفسير «الزيادة» عن الصحابة بتأكيد تعارضها فإذا كان الخصوم قد رووا عن أبي بكر، وعن صهيب أن تأويل قوله «وزيادة» النظر إلى وجه الله، فإن المعتزلة يروون ما ورد عن علي وغيره في تفسير الزيادة على أنها تضعيف الحسنات «وهو الذي أراده عز وجل بقوله: {مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا} وقال بعضهم هو التفضّل الذي وعد الله المؤمنين به بقوله: {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» .}

وأمّا السخرية فتتمثل في أن المعتزلة يلزمون خصومهم على هذا القول أن يكون الثواب هو التمكين من النظر إلى الله، وأن يكون العقاب هو الحرمان من النظر إليه، وأن يقتصر في الثواب والعقاب على ذلك «لأن ذلك إذا كان معظم الثواب، وكان ما عداه يسيرا بالاضافة إليه، فغير ممتنع أن يقتصر في اثابتهم عليه، ويزاد في لذتهم القدر الذي يكافئ سائر ملاذهم. ويجب أيضا أن لا يؤمن أن يقتصر الله في تعذيب أهل النار على تعذيبهم بأن ينفر طباعهم من رؤيته ويزيد في ذلك بحسب اختلاف أحوالهم، وفي ذلك ابطال الجنة والنار والثواب والعقاب بسائر الوجوه المعقولة» .

تعدّ هذه القضية أساس قضية العدل الأصل الثاني من الأصول الخمسة عند المعتزلة، ذلك أن كون الله عادلا يقتضي منه أن يعاقب المسيء، وأن يثيب

المحسن، أي أن يحقق وعده للمؤمن، ووعيده للكافر. ولكي تتحقق هذه العدالة لا بدّ من أن يكون الانسان حرا مختارا في فعله ومسئولا عنه، ومن ثم يستحق الثواب أو العقاب. وعلى العكس من ذلك فإن نفي قدرة الانسان على الفعل يستلزم بالضرورة عدم استحقاقه للثواب أو العقاب. وهذا بدوره يؤدي إلى أن تعذيب الله للمخطئ ظلم ما دام الانسان غير مختار للخطأ الذي وقع فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت