وثم عامل هام له أثره في تمجيد المعتزلة لشأن العقل، واعتبار المعرفة هي أساس التمايز بين البشر بدلا من عوامل العرق والنسب والوراثة. ونعني بذلك العامل تلك العصبية البغيضة التي بدأت بوادرها في أواخر العصر الأموي مقارنة لنشأة الاعتزال تقريبا والتي وصلت أقصى درجات تطرفها في العصر العباسي «فقد كانت القومية الفارسية تعتبر نفسها ندّا للقومية العربية منذ آخر عهد الأمويين، مما مهّد لنصرها بقيام الخلافة العباسية على أكتافها» وبالتالي ازدادت المشكلة حدة، خصوصا في عهد المأمون الذي أعطى للعنصر الفارسي سيادة مطلقة في شئون الحكم والدولة. وإذا كان الفرس يفخرون على العرب بحضارتهم وفلسفتهم وتراثهم الفكري، ويتهمونهم بأنهم شعب بدوي لا تسنده حضارة أو فلسفة، ومن ناحية أخرى إذا كان العرب يفخرون على الفرس بأنهم أشرف الأمم لأن التنزيل إليهم نزل، ومنهم النبي الخ، كل ذلك مما نجده مبثوثا في كتب الجاحظ ورسائله. إذا كان الأمر كذلك، فقد كان من الطبيعي أن يحاول المعتزلة أن يقفوا من هذا الصراع موقفا يتسم بالتعقل. ويعدّ الاعلاء من شأن العقل والمعرفة محاولة لرفع التفاخر بالأنساب والعصبيات والأجناس، ورد قيمة الانسان اجتماعيا ودينيا إلى قيمة يتساوى الناس في ملكيتهم لها، وإن اختلفوا تبعا لمدى استخدامهم لها. ولا يجب في هذا الصدد أن ننسى أن كبار رجال المعتزلة ورؤساءهم كانوا من الموالي «فواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مؤسسا المذهب والمعروفان بالتقوى والصلاح كانا من الموالي، وأبو الهذيل العلاف شيخ معتزلة البصرة من موالي عبد القيس، وإبراهيم بن سيّار النظّام أستاذ الجاحظ بصري
من موالي آل زياد، وثمامة بن أشرس من شيوخ معتزلة البصرة من موالي بني نمير، والجاحظ العالم المعتزلي الأشهر ذو الثقافة الموسوعية كان من موالي البصرة كذلك»
ولقد ارتبطت قضية المعرفة وهي أساس البحث في العقل منذ نشأة الفرق الكلامية بقضية الايمان، وذلك على يد المرجئة. وانقسم المرجئة كما سبقت الاشارة إلى جبرية على رأسهم جهم بن صفوان (ت 128هـ) وإلى قدرية وعلى رأسهم غيلان الدمشقي (ت 99هـ) . وإذا كانوا جميعا قد اتفقوا على تحديد الايمان بأنه معرفة الله «وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به» كما يحكى عن جهم، فمن الطبيعي أن يختلفوا حول قدرة الانسان على المعرفة بناء على اختلافهم في الجبر والاختيار. وإذا كان جهم قد ذهب إلى انكار أي قدرة للانسان على الفعل وذلك حتى تثبت القدرة لله وحده سعيا منه إلى اقامة مبدأ التوحيد ونفي مشابهة الله للبشر، فإن غيلان الدمشقي متسقا مع مبدئه في القدر ذهب إلى «ان الايمان بالله هو المعرفة الثانية» ومن حقنا أن نستنتج أن المعرفة الثانية هي المعرفة الناتجة عن النظر، وذلك للتفرقة بينها وبين المعرفة الأولى التي يجدها الانسان في نفسه دون نظر أو استدلال، وهو ما يطلق عليه في اصطلاح المتكلمين التالين المعرفة الضرورية.
ومعنى ذلك أن معرفة الله عند غيلان تعدّ نتيجة لفعل انساني هو النظر، وهو فعل يقع تحت مقدور الانسان وبحسب ارادته. ويمكننا بناء على ذلك أن نلمح في هذه المرحلة الباكرة ارتباط قضية المعرفة بالايمان من جانب، وارتباطها بالقدرة الانسانية وحرية الاختيار من جانب آخر.
وظلّ هذا الارتباط بين المعرفة والقدرة والايمان قائما عند أبي الهذيل، حتى اشترط لقدرة الانسان على الشيء «أن يكون عارفا لكيفيته وما لا يعرف كيفيته لا يقدر عليه فهو يقول: جائز أن يقدر الله عباده على الحركات والسكون والأصوات والآلام وسائر ما يعرفون كيفيته فأمّا الأعراض التي لا يعرفون كيفيتها كالألوان والطعوم والأراييح والحياة والموت والعجز والقدرة فليس يجوز أن يوصف الباري بالقدرة على أن يقدرهم على شيء من ذلك» . وهذه التفرقة بين ما يقدر الانسان عليه وما لا يقدر ترتدّ إلى المعرفة الانسانية. وقدرة الانسان نفسها هي قدرة من فعل الله القادر على كل شيء. وواضح أن أبا الهذيل هنا كان يفرّق بين قدرة الله وقدرة الانسان، ويبدو أنه كان يحاول رفع التناقض الذي ظلّ قائما بين القول بقدرة
الانسان على الفعل، وبين الايمان بقدرة الله الشاملة وإرادته النافذة، ذلك الايمان الذي يعدّ أساس التوحيد المطلق عند أتقياء المسلمين. ولكن أبا الهذيل يظلّ رغم ذلك معترفا بأن المعرفة فعل انساني، وأن القدرة التي يمنحها الله للانسان تتعلّق بهذه المعرفة. ومن شأن هذا التصور أن يؤدي من جديد إلى ما حاول أبو الهذيل الهرب منه، بمعنى أنه يؤدي إلى ربط القدرة الإلهية الممنوحة للعبد بفعل من أفعال العبد هو المعرفة. وللخروج من هذا المأزق يضطر أبو الهذيل إلى القول بأن «المعارف ضربان: أحدهما باضطرار وهو معرفة الله عزّ وجل، ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته، وما بعدهما من العلوم الواقعة عن الحواس أو القياس فهو علم اختيار واكتساب» وهو بذلك يقف موقفا وسطا بين جبرية جهم في المعرفة، واختيارية غيلان الدمشقي. ولكن جبريته في معرفة الله عن طريق اعتبارها معرفة ضرورية يعدّ أمرا غريبا، ولكنه من جانب آخر يكشف عن ذلك التصادم بين أهم مبدأين من مبادئ المعتزلة، وهما «العدل» و «التوحيد» «فبينا كان من شأن اثبات الوحدانية الإلهية أن يفضي آخر الأمر إلى الإقرار بسلطة الله المطلقة على الكون، كان فحوى قولهم أن الانسان خالق أفعاله هو الحدّ من هذه السلطة» .