فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 269

وظلّ هذا الارتباط بين المعرفة والقدرة والايمان قائما عند أبي الهذيل، حتى اشترط لقدرة الانسان على الشيء «أن يكون عارفا لكيفيته وما لا يعرف كيفيته لا يقدر عليه فهو يقول: جائز أن يقدر الله عباده على الحركات والسكون والأصوات والآلام وسائر ما يعرفون كيفيته فأمّا الأعراض التي لا يعرفون كيفيتها كالألوان والطعوم والأراييح والحياة والموت والعجز والقدرة فليس يجوز أن يوصف الباري بالقدرة على أن يقدرهم على شيء من ذلك» . وهذه التفرقة بين ما يقدر الانسان عليه وما لا يقدر ترتدّ إلى المعرفة الانسانية. وقدرة الانسان نفسها هي قدرة من فعل الله القادر على كل شيء. وواضح أن أبا الهذيل هنا كان يفرّق بين قدرة الله وقدرة الانسان، ويبدو أنه كان يحاول رفع التناقض الذي ظلّ قائما بين القول بقدرة

الانسان على الفعل، وبين الايمان بقدرة الله الشاملة وإرادته النافذة، ذلك الايمان الذي يعدّ أساس التوحيد المطلق عند أتقياء المسلمين. ولكن أبا الهذيل يظلّ رغم ذلك معترفا بأن المعرفة فعل انساني، وأن القدرة التي يمنحها الله للانسان تتعلّق بهذه المعرفة. ومن شأن هذا التصور أن يؤدي من جديد إلى ما حاول أبو الهذيل الهرب منه، بمعنى أنه يؤدي إلى ربط القدرة الإلهية الممنوحة للعبد بفعل من أفعال العبد هو المعرفة. وللخروج من هذا المأزق يضطر أبو الهذيل إلى القول بأن «المعارف ضربان: أحدهما باضطرار وهو معرفة الله عزّ وجل، ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته، وما بعدهما من العلوم الواقعة عن الحواس أو القياس فهو علم اختيار واكتساب» وهو بذلك يقف موقفا وسطا بين جبرية جهم في المعرفة، واختيارية غيلان الدمشقي. ولكن جبريته في معرفة الله عن طريق اعتبارها معرفة ضرورية يعدّ أمرا غريبا، ولكنه من جانب آخر يكشف عن ذلك التصادم بين أهم مبدأين من مبادئ المعتزلة، وهما «العدل» و «التوحيد» «فبينا كان من شأن اثبات الوحدانية الإلهية أن يفضي آخر الأمر إلى الإقرار بسلطة الله المطلقة على الكون، كان فحوى قولهم أن الانسان خالق أفعاله هو الحدّ من هذه السلطة» .

وتزداد هذه المشكلة حدة عند كل من النظّام (ت 230هـ) والجاحظ (ت 255هـ) ، فقد أراد النظّام أن ينفي عن الله القدرة على الظلم والكذب وسائر القبائح، وغالى في ذلك حتى أخضع الفعل الإلهي لقانون أخلاقي صارم جعله يقترب من أن يكون سبحانه مجبورا في أفعاله غير مخيّر. والغاية التي كان يسعى لها النظّام من اخضاع الفعل الإلهي للقانون الأخلاقي هي نفي مشابهته للبشر الذين يقع منهم الظلم، ذلك «أن الظلم والكذب لا يقعان إلّا من جسم ذي آفة فالواصف لله بالقدرة عليهما قد وصفه بأنه جسم ذو آفة، لأن القادر على شيء غير محال وقوعه منه فلو وقعا منه لدلّ وقوعهما منه على أنه جسم ذو آفة» . غير أن نفي قدرة الله على فعل من الأفعال كان من شأنه أن يخلّ بمبدإ التوحيد الذي يسعى النظّام لتأكيده، ولذلك كان على النظّام أن يؤكّد خيرية الله المطلقة في مواجهة الانسان الذي يتأتى منه الخير والشر. وليس من المستبعد في هذه الحالة أن يكون النظّام قد تأثر في أفكاره تلك بالأفكار المانوية التي قام بجهد كبير في مجادلة معتنقيها ومحاولة نفي قولهم بالاثنينية التي تفسّر وجود الشر والخير في العالم تفسيرا يسلّم بصدورهما عن قوتين متعارضتين.

وكان من الطبيعي أن يخضع تأثر النظّام بهذه الأفكار لاتجاهات الفكر الديني الاعتزالي، وأن يوظّف لخدمة مقولاته الأساسية وهي العدل والتوحيد. وما دام قد

ذهب إلى توحيد الفعل الإلهي الذي لا يمكن إلّا أن يتصف بصفة الخيرية المطلقة، فقد كان من الطبيعي أن يوحّد الفعل الحيواني، فذهب إلى أن «أفعال الحيوان كلها من جنس واحد وهي كلها حركة وسكون، والسكون عنده حركة اعتماد، والعلوم والإرادات عنده من جملة الحركات، وهي الأعراض، والأعراض كلها عنده جنس واحد، وهي كلها حركات» . فالفعل الانساني متضمنا العلوم والإرادات جنس واحد يرجع كله إلى الحركة والسكون. والسكون عند النظّام هو حركة الاعتماد، فهو نوع من الحركة أيضا. وإذا كانت الأعراض عند النظّام كلها حركات، فإن الانسان لا يقدر بذلك إلّا على الأعراض، وذلك على عكس الله الذي يقدر على الأعراض والجواهر معا، وبذلك تتميز قدرة الله على قدرة الانسان وتعلو عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت