فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 269

وكان من الطبيعي أن يخضع تأثر النظّام بهذه الأفكار لاتجاهات الفكر الديني الاعتزالي، وأن يوظّف لخدمة مقولاته الأساسية وهي العدل والتوحيد. وما دام قد

ذهب إلى توحيد الفعل الإلهي الذي لا يمكن إلّا أن يتصف بصفة الخيرية المطلقة، فقد كان من الطبيعي أن يوحّد الفعل الحيواني، فذهب إلى أن «أفعال الحيوان كلها من جنس واحد وهي كلها حركة وسكون، والسكون عنده حركة اعتماد، والعلوم والإرادات عنده من جملة الحركات، وهي الأعراض، والأعراض كلها عنده جنس واحد، وهي كلها حركات» . فالفعل الانساني متضمنا العلوم والإرادات جنس واحد يرجع كله إلى الحركة والسكون. والسكون عند النظّام هو حركة الاعتماد، فهو نوع من الحركة أيضا. وإذا كانت الأعراض عند النظّام كلها حركات، فإن الانسان لا يقدر بذلك إلّا على الأعراض، وذلك على عكس الله الذي يقدر على الأعراض والجواهر معا، وبذلك تتميز قدرة الله على قدرة الانسان وتعلو عليها.

غير أن الفعل الانساني الحركة ينقسم إلى فعل مباشر، وهو ما يفعله الانسان في نفسه، وفعل متولّد، وهو ما يتجاوز نطاق ذاته وذلك كأن يلقي الانسان بحجر في ماء راكد، فيتحرك الماء بحركة الحجر. فحركة الحجر تعدّ فعلا مباشرا للانسان، أمّا حركة الماء فهي فعل متولد عن حركة الحجر. ولقد كان النقاش حول الفعل المتولّد ومدى مسئولية الانسان عنه امتدادا للبحث في مسئولية الانسان عن فعله نتيجة لتأكيد المعتزلة على قدرة الانسان على الفعل.

ولقد كان رأي أبو الهذيل العلاف كما أشرنا أن ما يعرف الانسان كيفيته من الأفعال هو ما يقدر عليه، ويعدّ بالتالي مسئولا عنه. سواء كان فعلا مباشرا أو متولّدا. أمّا النظّام فقد ذهب إلى أن الفعل المتولّد ليس فعلا للانسان على الحقيقة، وإنما هو «فعل الله جل وعز بايجاب الخلقة، بمعنى أنه تعالى طبع الحجر طبعا وخلقه خلقا إذا دفعته ذهب» وليست فكرة الطبع هذه عند النظّام إلّا محاولة لتأكيد القدرة الإلهية الشاملة التي قد يقلل منها اخضاع الفعل الإلهي للقانون الأخلاقي. ولكن القدرة الإلهية هنا تعبّر عن نفسها من خلال قوانين طبيعية من صنعها وغير مفروضة عليها من الخارج. ويصبح الانسان نفسه بكل قدرته على الفعل جزءا من هذا القانون، وبذلك ينتفي التعارض ويزول اعتراض المعترضين.

والإدراك أول مراتب المعرفة يتولّد عن حركة الحواس، فإدراك المرئيات يتولّد عن فتح العين وتوجهها تجاه المرئي. وهو بهذا الفهم يعدّ جزءا من الأفعال المتولّدة التي تقع عن الطبع الذي خلقه الله «وكان أبو اسحاق النظّام يقول في الإدراك خاصة أن الله سبحانه يفعله بايجاب خلقه وبحواس» وعلى ذلك

يمنع النظّام أن يقول قائل «إنما رأيتك لأني التفت. وهو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك» الذي يتولّد عنه الرؤية أو الإدراك. وإذا كان الإدراك يعدّ فعلا لله لأنه فعل متولّد، فإن المعرفة بأكملها وهي متولّدة عن النظر فعل الله أيضا بايجاب حركة القلب، وذلك تأسيسا على تعريف النظّام للعلم بأنه «حركة من حركات القلب» . ولقد بلغ من سيطرة فكرة الطبع على ذهن النظّام أن جعلها مدخله لإثبات وجود الله، وذلك على أساس أن اجتماع الضدين دليل على أن ثمّ من قهرهما على غير طبعهما «وجدت الحر مضادا للبرد ووجدت الضدين لا يجتمعان في موضع واحد من ذات أنفسهما، فعلمت بوجودهما مجتمعين أن لهما جامعا جمعهما وقاهرا قهرهما على خلاف شأنهما. وما جرى عليه القهر والمنع فضعيف، وضعفه ونفوذ تدبير قاهرة فيه دليل على حدوثه وعلى أن له محدثا أحدثه ومخترعا اخترعه لا يشبهه، لأن حكم ما أشبهه حكمه في دلالته على الحدث، وهو الله رب العالمين» وهذا كله يؤكّد ارتباط قضية المعرفة والبحث فيها بقضايا العدل والتوحيد أساس الفكر الاعتزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت