فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 269

والإدراك أول مراتب المعرفة يتولّد عن حركة الحواس، فإدراك المرئيات يتولّد عن فتح العين وتوجهها تجاه المرئي. وهو بهذا الفهم يعدّ جزءا من الأفعال المتولّدة التي تقع عن الطبع الذي خلقه الله «وكان أبو اسحاق النظّام يقول في الإدراك خاصة أن الله سبحانه يفعله بايجاب خلقه وبحواس» وعلى ذلك

يمنع النظّام أن يقول قائل «إنما رأيتك لأني التفت. وهو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك» الذي يتولّد عنه الرؤية أو الإدراك. وإذا كان الإدراك يعدّ فعلا لله لأنه فعل متولّد، فإن المعرفة بأكملها وهي متولّدة عن النظر فعل الله أيضا بايجاب حركة القلب، وذلك تأسيسا على تعريف النظّام للعلم بأنه «حركة من حركات القلب» . ولقد بلغ من سيطرة فكرة الطبع على ذهن النظّام أن جعلها مدخله لإثبات وجود الله، وذلك على أساس أن اجتماع الضدين دليل على أن ثمّ من قهرهما على غير طبعهما «وجدت الحر مضادا للبرد ووجدت الضدين لا يجتمعان في موضع واحد من ذات أنفسهما، فعلمت بوجودهما مجتمعين أن لهما جامعا جمعهما وقاهرا قهرهما على خلاف شأنهما. وما جرى عليه القهر والمنع فضعيف، وضعفه ونفوذ تدبير قاهرة فيه دليل على حدوثه وعلى أن له محدثا أحدثه ومخترعا اخترعه لا يشبهه، لأن حكم ما أشبهه حكمه في دلالته على الحدث، وهو الله رب العالمين» وهذا كله يؤكّد ارتباط قضية المعرفة والبحث فيها بقضايا العدل والتوحيد أساس الفكر الاعتزالي.

لا يختلف الجاحظ عن أستاذه كثيرا في منحاه الفكري العام، وفي موقفه من قضية المعرفة والقدرة والطبع أيضا. يتميّز الانسان عند الجاحظ عن غيره من الكائنات الحيوانية بقدرته واستطاعته على الفعل والاختيار. ويترتب على القدرة والاستطاعة وجود العقل «إن الفرق الذي بين الانسان والبهيمة، والانسان والسبع والحشرة، والذي صيّر الانسان الى استحقاق قول الله عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين. والفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين. وفي وجود الاستطاعة وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة» . فالعقل تابع من توابع الاستطاعة، والمعرفة نتيجة لها، بمعنى أن انعدام القدرة والاستطاعة يلغي فاعلية العقل ويهدم أساس المعرفة، وعلى ذلك تعدّ الاستطاعة أساسا لوجود العقل الذي يترتب على وجوده وجود المعرفة.

غير أن الجاحظ يربط المعرفة والعقل بالحاجة الانسانية وضروراتها، فهو يحكي على لسان أحد الحكماء «وقيل لأحد الحكماء: متى عقلت؟ قال: ساعة ولدت. فلما رأى انكارهم لكلامه قال: أمّا أنا فقد بكيت حين خفت، وطلبت الأكل حين جعت، وطلبت الثدي حين احتجت، وسكت حين أعطيت. يقول هذه مقادير حاجاتي، ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها وإذا أعطيها، فلا حاجة

به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل». ومعنى ذلك أن حاجات الطفل الحيوية الطبيعية هي التي تحدد له معارفه، التي أطلق عليها الجاحظ اسم العقل، وهو الإحساس بما يريد ويحتاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت