غير أن الجاحظ يربط المعرفة والعقل بالحاجة الانسانية وضروراتها، فهو يحكي على لسان أحد الحكماء «وقيل لأحد الحكماء: متى عقلت؟ قال: ساعة ولدت. فلما رأى انكارهم لكلامه قال: أمّا أنا فقد بكيت حين خفت، وطلبت الأكل حين جعت، وطلبت الثدي حين احتجت، وسكت حين أعطيت. يقول هذه مقادير حاجاتي، ومن عرف مقادير حاجاته إذا منعها وإذا أعطيها، فلا حاجة
به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل». ومعنى ذلك أن حاجات الطفل الحيوية الطبيعية هي التي تحدد له معارفه، التي أطلق عليها الجاحظ اسم العقل، وهو الإحساس بما يريد ويحتاج.
ينتقل الجاحظ بعد ذلك من حالة الطفل، أو الانسان منفردا، إلى الجماعة فيرى «أن حاجة بعض الناس إلى بعض، صفة لازمة في طبائعهم وخلقة قائمة في جواهرهم، وثابتة لا تزايلهم، ومحيطة بجماعتهم، ومشتملة على أدناهم وأقصاهم» . وإذا كان الطفل لا يحتاج من العقل أو المعرفة إلّا بمقدار حاجاته الحيوية، فإن الجماعة البشرية والاجتماع في طبائع الناس لها بالضرورة احتياجاتها الجديدة، التي تتطلّب وسائل جديدة تعين الانسان على المعرفة وإدراك عالميه الطبيعي والانساني معا، ثم بعد ذلك معرفة عالم الغيب ومعرفة الله الذي سخّر له كل ما في العالم من جماد ونبات وحيوان، ليستعين به في حياته أولا، وليستدلّ به ثانيا. وبذلك كله تصبح المعرفة بمعناها العام ضرورة للاجتماع البشري. وتترقى المعرفة تبعا لذلك من التمييز بين الضار والنافع وهذه هي المرحلة الدنيا للوجود الانساني حتى تصل إلى المعرفة التي تؤدّي إلى السعادة، وبذلك يترقى الانسان «من معرفة الحواس إلى معرفة العقول. ومن معرفة الروية من غاية إلى غاية، حتى لا يرضى من العلم والعمل إلّا بما أدّاه إلى الثواب الدائم، ونجّاه من العقاب الدائم» .
بهذا الربط بين المعرفة والحاجة الانسانية، كان من الطبيعي أن يعتبر الجاحظ المعرفة ضرورة من ضرورات الوجود البشري. ولمّا كانت فكرة الصلاح والأصلح وهي الفكرة التي وضع النظّام أساسها الفلسفي تقتضي أن يفعل الله ما فيه خير البشر ونفعهم وصلاحهم، كان من الطبيعي القول بأن المعرفة فعل لله. غير أن اسناد المعرفة لله من شأنه أن يخلّ بمبدإ القدرة الانسانية التي اعتبرها الجاحظ أساس وجود العقل والمعرفة، ولذلك يحلّ الجاحظ هذا التعارض باللجوء لفكرة «الطبائع» التي لجأ إليها استاذه، ومن ثمّ يذهب إلى أن «المعارف كلها ضرورية طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد. وليس للعبد كسب سوى الإرادة، وتحصل أفعاله منه طباعا» ويؤكّد القاضي عبد الجبار ما يرويه البغدادي والشهرستاني عن الجاحظ وغيره من المعتزلة من اعتبار كل أفعال الانسان من فعل الله وإن وقع من الانسان بطبعه باستثناء الإرادة التي يعدونها هي الفعل الانساني الذي تترتّب عليه مسئولية الانسان عن فعله، ومن ثمّ استحقاقه للثواب والعقاب. يقول «ومنهم من قال إن الانسان إنما يفعل الإرادة فقط دون ما عداه، وهو قول ثمامة والجاحظ،
واختلفوا فيما سوى الإرادة، فقال أبو عثمان الجاحظ أنه يقع من الانسان بطبعه، وأنه ليس باختيار له». ويترتب على القول بضرورية المعرفة وربطها بقانون الطبائع عند الجاحظ وغيره من المعتزلة نوع من الجبرية في الايمان تؤدي إلى القول بأن الكافر ليس قادرا على الايمان لانه مما لا يحتمله طبعه الذي هو من خلق الله فيه. ولكن الجاحظ يحاول إنكار هذه النتيجة وذلك عن طريق القول بأن الكافر قد وقعت له المعرفة الضرورية بالله وصفاته، ولكنه كفر بعناده وانكاره واصراره على هذا العناد والانكار «والكفار عنده ما بين معاند وعارف قد استغرقه حبه لمذهبه» .