لا تطمح هذه الصفحات لرصد العوامل التاريخية لنشأة الفكر الاعتزالي، بقدر ما تحاول تفهم هذه الظروف بغية فهم الفكر الاعتزالي نفسه في إطار ظروفه البيئية والتاريخية، وذلك ايمانا بأن الفكر لا ينشأ من فراغ، أو مستقلا عن الظروف الموضوعية الاجتماعية والسياسية التي يكون هذا الفكر نفسه استجابة لها ومحاولة للتصدي لها تغييرا أو تأييدا. ومن جهة أخرى فتفسير الفكر الاعتزالي بعوامل التأثير الثقافي الأجنبي وهو ما درج عليه كثير من المستشرقين وبعض الدارسين العرب هو نفي لفعالية هذه الظروف الموضوعية، أو إعطاء دور سلبي لها في أحسن الفروض. وإنكار هذا التأثير الاجنبي وهو ما حاوله بعض الباحثين المتحمسين من العرب رد فعل يناقض الحقيقة التاريخية والعلمية.
ولكن الأساس في التأثير الفكري بين ثقافتين أو حضارتين، أن الأفكار الواردة على الثقافة والحضارة من الصعب أن تمارس تأثيرها الفعّال والمثمر في هذه الحضارة ما لم تكن الظروف الموضوعية الاجتماعية والسياسية مهيأة لتلقي هذه البذور واحتضانها، وتهيئة المناخ الملائم لها لكي تنمو وتزدهر وتؤتي أكلها.
هذا الأساس يصدق على الفكر الاعتزالي، وعلى ظروف نشأته في الفكر الاسلامي. وإذا كانت المبادئ الفكرية للمعتزلة بعد تطورها ونضجها قد أمكن تلخيصها في مبدأين رئيسيين هما «أن الله واحد وأنه العدل في قضائه الرحيم بخلقه» وهما ما أطلق عليهما مبدأي «التوحيد والعدل» فإن باقي أفكار المعتزلة، أو مبادئها الخمسة يمكن أن ترتدّ في التحليل النهائي إلى هذين المبدأين. فمبدأ «الوعد والوعيد» داخل في العدل لأنه كلام في أنه تعالى إذا وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، فلا بدّ من أن يفعل ولا يخلف في وعده ولا في وعيده ومن العدل أن لا يخلف ولا يكذب، وكذلك المنزلة بين المنزلتين داخل في باب العدل وكذا الكلام في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . ومعنى ذلك
أن مبدأ «العدل» يتضمن كل مبادئ المعتزلة عدا التوحيد ومنها القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو القول الذي تجمع المصادر على أن واصل بن عطاء خالف به أستاذه الحسن البصري، وانفصل بسببه عن حلقته مكوّنا حلقة جديدة كانت اللبنة الأولى في بناء المذهب الاعتزالي.