هذا الأساس يصدق على الفكر الاعتزالي، وعلى ظروف نشأته في الفكر الاسلامي. وإذا كانت المبادئ الفكرية للمعتزلة بعد تطورها ونضجها قد أمكن تلخيصها في مبدأين رئيسيين هما «أن الله واحد وأنه العدل في قضائه الرحيم بخلقه» وهما ما أطلق عليهما مبدأي «التوحيد والعدل» فإن باقي أفكار المعتزلة، أو مبادئها الخمسة يمكن أن ترتدّ في التحليل النهائي إلى هذين المبدأين. فمبدأ «الوعد والوعيد» داخل في العدل لأنه كلام في أنه تعالى إذا وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، فلا بدّ من أن يفعل ولا يخلف في وعده ولا في وعيده ومن العدل أن لا يخلف ولا يكذب، وكذلك المنزلة بين المنزلتين داخل في باب العدل وكذا الكلام في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . ومعنى ذلك
أن مبدأ «العدل» يتضمن كل مبادئ المعتزلة عدا التوحيد ومنها القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو القول الذي تجمع المصادر على أن واصل بن عطاء خالف به أستاذه الحسن البصري، وانفصل بسببه عن حلقته مكوّنا حلقة جديدة كانت اللبنة الأولى في بناء المذهب الاعتزالي.
والواقع أن هذا الخلاف بين واصل وأستاذه الحسن حول وصف مرتكب الكبيرة، والحكم عليه، يظلّ مجرد خلاف فقهي ما لم ننظر إليه في ظل الظروف التاريخية التي طرحت هذا السؤال على علماء العالم الاسلامي، والتي حددت في نفس الوقت طبيعة الاجابات التي طرحت عليه من كافة الإتجاهات السياسية والدينية في ذلك الوقت.
(1) تعدّ الفتنة التي انتهت بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان مفتاح كل الخلافات السياسية والعقائدية في المجتمع الاسلامي. ويحدّد الأشعري (ت 330هـ) هذه البداية بقوله «وكان الاختلاف بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في الامامة. ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن وليّ عثمان ابن عفان رضوان الله عليه وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالا فصار ما أنكروه عليه اختلافا إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه، وكانوا في قتله مختلفين، فأمّا أهل السنّة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضوان الله عليه مصيبا في أفعاله، قتله قاتلوه ظلما وعدوانا، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم»
وإذن فقد كانت نقطة البداية هي الخلاف حول الإمامة وشروطها ومدى السلطة المخوّلة للخليفة. وقد أثار قتل عثمان على أيدي الثوار من الأمصار وعلى رأسهم ثوار مصر قضية شرعية الخروج على الإمام والثورة على الخليفة. ولقد حدّدت ظروف الفتنة منذ بدايتها طبيعة القوى التي اشتركت في الثورة، ومن ثمّ ساهمت في الجدل الفكري والعقائدي حول الإمامة والخلافة. ولقد بدأت هذه القوى تتشكّل ملامحها حين أباح عثمان لأعلام قريش «أن يتملّكوا الضياع ويشيدوا القصور في الولايات الاسلامية المفتوحة كالعراق والشام ومصر، كما سمح لهم أن يستبدلوا بأملاكهم في الحجاز أملاكا في تلك الأمصار» وكانت هذه السياسة مخالفة تمام المخالفة لسياسة الخليفة عمر بن الخطاب الذي حظّر على الصحابة مغادرة المدينة أو الإقامة في الأمصار خوفا عليهم أن تفتنهم الدنيا وتشغلهم عن أمور الدين. وكان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة المتساهلة إلى جانب مجاملة
عثمان لأقاربه وتساهله معهم غضب أتقياء الصحابة مثل عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري اللذين لم يخفيا غضبهما. ولم تتسم سياسة عثمان إزاء هذين الصحابيين بالحلم والكياسة، بل قابل اعتراضهما على سياسته بالشدّة والنفي حتى صارا من أشدّ المعارضين لخلافته.