فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 269

وإذن فقد كانت نقطة البداية هي الخلاف حول الإمامة وشروطها ومدى السلطة المخوّلة للخليفة. وقد أثار قتل عثمان على أيدي الثوار من الأمصار وعلى رأسهم ثوار مصر قضية شرعية الخروج على الإمام والثورة على الخليفة. ولقد حدّدت ظروف الفتنة منذ بدايتها طبيعة القوى التي اشتركت في الثورة، ومن ثمّ ساهمت في الجدل الفكري والعقائدي حول الإمامة والخلافة. ولقد بدأت هذه القوى تتشكّل ملامحها حين أباح عثمان لأعلام قريش «أن يتملّكوا الضياع ويشيدوا القصور في الولايات الاسلامية المفتوحة كالعراق والشام ومصر، كما سمح لهم أن يستبدلوا بأملاكهم في الحجاز أملاكا في تلك الأمصار» وكانت هذه السياسة مخالفة تمام المخالفة لسياسة الخليفة عمر بن الخطاب الذي حظّر على الصحابة مغادرة المدينة أو الإقامة في الأمصار خوفا عليهم أن تفتنهم الدنيا وتشغلهم عن أمور الدين. وكان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة المتساهلة إلى جانب مجاملة

عثمان لأقاربه وتساهله معهم غضب أتقياء الصحابة مثل عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري اللذين لم يخفيا غضبهما. ولم تتسم سياسة عثمان إزاء هذين الصحابيين بالحلم والكياسة، بل قابل اعتراضهما على سياسته بالشدّة والنفي حتى صارا من أشدّ المعارضين لخلافته.

وإذا كانت سياسة عثمان أثارت ضدّه بعض الصحابة، فإنها من جانب آخر أثارت سخط مسلمي الأمصار الأخرى كالكوفة والبصرة ومصر. وقد كان من شأن سياسته الاقتصادية المتساهلة، وتهاونه مع أقاربه، أن تكوّنت طبقة من الأرستقراطية الدينية والقرشية في مقابل أهل الأمصار وفقراء المقاتلين الذين وقع عليهم الغبن على يد ولاة عثمان وحكامه «باستئثارهم بالفيء والغنائم لأنفسهم وخزائن دولتهم وحرمان المقاتلين منها، مدّعين أن الفيء لله وليس للمحارب إلّا أجر قليل يدفع إليه»

ولا نريد الخروج عن مهمة هذا البحث بتتبع الجذور الاقتصادية والسياسية للفتنة بقدر ما تهمنا الإشارة إليها لتحديد طبيعة القوى التي أسهمت فيها ومن ثمّ أسهمت في الحوار الفكري حول قضاياها. والذي يكشف عن طبيعة هذه القوى «اختلاف الوفود التي أتت من الولايات الإسلامية لخلع عثمان، على من توليه خلفا له، حتى قال أهل البصرة نولي الزبير، وقال أهل الكوفة نولي طلحة» وتمسك أهل البصرة بالزبير، وأهل الكوفة بطلحة، وكلاهما من أثرياء الصحابة ينمّ عن طبيعة القوى التي تساندهما، وهي قوى لها أسبابها للثورة ضد عثمان الذي رفع أسرته فوق قريش كلها بما فيها الصحابة.

أما ثوار مصر الذين اشتركوا في الثورة، فقد كان لهم منحى آخر، إذ ذهبوا إلى المطالبة بتولية علي بن أبي طالب. ولقد قام عبد الله بن سبأ بدور خطير في الثورة ضد عثمان، وفي تأليب الأمصار ضده. وعلاقة عبد الله بن سبأ بأبي ذر الغفاري في الشام، واعتراضهما معا على سياسة معاوية يؤكّد الأساس الاقتصادي للفتنة، والثورة. وقد وجد عبد الله بن سبأ لدعوته في مصر صدى لم يجده في كل من الكوفة والبصرة. وكان يخطب في المصريين قائلا «أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وهذا علي وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر» . ومن الواضح أن عبد الله بن سبأ قد استغلّ بعض الأفكار الدينية اليهودية كالقول بوصاية علي للدعوة للثورة ضد عثمان.

ولكن هذا لا يجعلنا نلجأ لتفسير حركة التاريخ بالهوى الفردي كما يذهب إلى

ذلك كل من قالوا بأن عبد الله بن سبأ سعى للفتنة لحقده على الإسلام ورغبته في الكيد لأهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت