فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 269

ولكن هذا لا يجعلنا نلجأ لتفسير حركة التاريخ بالهوى الفردي كما يذهب إلى

ذلك كل من قالوا بأن عبد الله بن سبأ سعى للفتنة لحقده على الإسلام ورغبته في الكيد لأهله.

وقد كان أهل الشام تحت أمرة معاوية بن أبي سفيان من القوى المساندة لعثمان بحكم أن معاوية من المستفيدين بخلافته، ولذلك كان من الطبيعي أن لا يستطيع أهل الشام المشاركة في الثورة على عثمان. ولقد احتفظ معاوية بقواه العسكرية في حالة حياد، حتى ليغلب على الظن أنه تماطل في إرسال العون إلى عثمان بالمدينة حتى قتله الثوار، ثم ثار بعد ذلك مطالبا بدمه وقاتله ومرتديا قميصه الملطّخ بالدم. وقد بلغ من ذكاء معاوية السياسي أنه لم يتدخل في الحرب بين علي وطلحة والزبير مكتفيا بالمساندة الكلامية لطلحة والزبير، وذلك حتى تقضي إحدى القوتين على الاخرى، ثم ينشط هو بقواته الكاملة للقضاء على القوة المنتصرة. من الصعب إذن التيقن مما إذا كان معاوية والقوى التي ساندته يعمل لحساب بني أمية منذ أول الفتنة، أم أنه كان يعمل لحساب عثمان حتى قتل ثم تحوّل ليعمل لحساب نفسه بعد ذلك، وكلا الأمرين على أي حال سواء في الدلالة على الجذور الاقتصادية والاجتماعية للفتنة وما ترتّب عليها من خلاف سياسي وديني.

نجحت الثورة في تحقيق هدفها، واستطاع الثوار والمصريون على رأسهم ان يفرضوا علي بن أبي طالب خليفة على المسلمين بعد عثمان. ولكن الفتنة كانت قد كسرت فيما كسرت إجماع أهل الحل والعقد في الدولة الاسلامية، أعني الصحابة أنفسهم. وقد تجلّى ذلك في أن البيعة لعلي لم ينعقد عليها الإجماع الذي انعقد لسابقيه، وإن انعقد عليها إجماع من نوع جديد، هو إجماع عامة المسلمين الذين كانوا يشكّلون جماهير الثورة ضد عسف حكّام عثمان وولاته.

وقد كان على علي أن يواجه كل القوى المناهضة له، ومنها زعامات لها قدرها وشرفها الديني مثل طلحة والزبير والسيدة عائشة. ومن الطبيعي أن يكون دم الخليفة المقتول هو الستار الذي يخفي حقيقة الصراع وأبعاده. وكانت موقعة «الجمل» التي انتهت بانتصار علي بن أبي طالب هي المواجهة العسكرية الاولى للقوى المتصارعة. وظلّ معاوية في انتظار ما تسفر عنه الأحداث. وحين انتصرت القوى الموالية لعلي، خرج معاوية مرتديا نفس الرداء ومطالبا بقاتل عثمان وثأره.

وليس من قبيل الصدفة أن يوجد في معسكر علي كل من عمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن سبأ المعترضين على سياسة عثمان ومعاوية، والذين تعرّضوا للنفي والتشريد، رغم جلال قدر بعضهم وصلتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبتهم الطويلة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت