فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 269

وفي هذا الصراع الدموي كانت ثمّة قوة أخرى اعتزلت هذا الصراع، وخشيت الخوض في الفتنة كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعمران ابن الحصين وأبي بكرة وغيرهم ممن وقف موقف الحياد في النزاع، وحجتها في ذلك الحديث الشريف الذي رواه أبو بكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم «ستكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، إلّا إذا نزلت أو وقعت فمن كان له ابل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه» فالقعود هنا يعني التحرّج عن الخوض في هذا الصراع الذي لا يعرف المحق فيه من المبطل. ولقد تطوّر هذا التوقف فيما بعد بعد انتهاء الأمر الى معاوية إلى نزعة تبريرية أطلق عليها اسم الإرجاء وأطلق على أصحابها اسم المرجئة. وإذا كان القعود الذي حاول أن يتزيا بالدين ويعتصم به كانت له مبرراته في الصراع بين علي وغيره من الصحابة وفيهم زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، السيدة عائشة، فإنه بعد ذلك تحوّل الى طاقة تبريرية وصلت إلى حد القول رواية عن الرسول «وكن حلس بيتك فإن دخل عليك فادخل مخدعك فإن دخل عليك فقل بؤ بإثمي وإثمك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» «أي افعل هذا في زمن الفتنة، واختلاف الناس على التأويل وتنازع سلطانين كل واحد منهما يطلب الأمر ويدّعيه لنفسه بحجة. يقول فكن حلس بيتك في هذا الوقت ولا تسل سيفا ولا تقتل أحدا فإنك لا تدري من المحق من الفريقين ومن المبطل واجعل دمك دون دينك» ومن شأن هذا المنطق السلبي أن يضيف للظلم قوة عن طريق الانتقاص من قوى الحق بهذه السلبية، وهو ما عبّر عنه الرسول بقوله: «الساكت عن الحق شيطان أخرس» . ولكن المرجئة في الواقع لم تظل على سلبيتها هذه، بل شاركت في اواخر العصر الأموي في الثورة وكان لها دورها الذي لا ينكر في القضاء على الأمويين كما سنشير بعد قليل.

وننتهي من ذلك كله إلى أن الفتنة تمخّضت عن وجود ثلاث قوى أساسية في الصراع هي قوة العلويين في مواجهة قوة الأمويين. وبينهما القاعدون أو المتحرّجون أو معتزلة الصراع الذين تطوروا إلى المرجئة فيما بعد. ولقد أدّت مهزلة التحكيم المعروفة إلى انقسام القوة الكبرى التي كانت تقف خلف علي إلى ما عرف بالشيعة والخوارج. وكان من شأن هذا الانقسام بمستوييه العسكري والفكري أن ينتهي إلى انتصار الأمويين، واستيلائهم على السلطة وانفرادهم بها. وتنازل الحسن بن علي لمعاوية عن حقه في الخلافة، وتنازل بالتالي عن حقوق كل القوى التي كانت تقف خلف أبيه وتسانده. وكان هذا الاستسلام من جانب الزعامة الأساسية يعني التسليم بسلطان الأمويين المطلق في كافة الولايات الاسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت