وإذا كان الجاحظ قد استخدم كلمات الاشتقاق والتشبيه والمثل والمجاز بمعنى واحد، فإننا لأول مرة نواجه مصطلح «المجاز» باعتباره قسيما للحقيقة، وإن لم نعدم في كتابات الجاحظ بعض الاستخدامات اللغوية له. بمعنى أننا إذا كنا عند أبي عبيدة وجدنا المصطلح واسع الدلالة يتناول أساليب العربية أو طرق التعبير عامة، وإذا كنا عند الفراء وجدنا استعمالا لكلمة «تجوز» بدل المجاز ومعنى أقرب للمعنى الاصطلاحي، فاننا عند الجاحظ نجد المصطلح قد تحدد تحددا كاملا ليشير إلى كل الأنواع البلاغية كالمثل والتشبيه والاستعارة والكناية. والمواضع التي تحدث فيها الجاحظ عن المجاز كمقابل للحقيقة بشكل مباشر قليلة جدا، وإن كان سياق استخداماته الكثيرة للفظ يدل على فهمه الاصطلاحي لها. من هذه المواضع القليلة قوله في البخلاء «فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز فالحقيقة ما كان من الله، والمجاز المشتق له من هذا الاسم» . وأشار إليه بنفس المعنى في كتاب فصل ما بين العداوة والحسد حين تحدث عن العلماء المشهورين بالحسد
فقال: «وقد وسموا انفسهم بسمات الباطل وتسموا بأسماء العلم على المجاز من غير الحقيقة» أمّا في كتاب الحيوان فأغلب استعمال اللفظ، وإن فهم منه أنه مقابل الحقيقة، فإنه لم يرد بهذا المعنى بشكل مباشر. فحين يحاول الجاحظ تأويل تهديد سيدنا سليمان للهدهد بالذبح، ردا على من طعنوا في الآية على أساس أن تهديد الهدهد تهديد في غير محله، لأن الهدهد ليس مكلفا أو عاقلا من جانب، والذبح أكبر من جرم الهدهد إن صحّ أنه مكلف أو عاقل ثانيا. يردّ الجاحظ على هذا الطعن بردود كثيرة، منها «على أنّا لو تأولنا الذبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم اسماعيل عليهما السلام وإنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره أو على معنى قول القائل: أمّا أنا فقد ذبحته وضربت عنقه ولكن السيف خانني. أو على قولهم، المسك الذبيح، أو على قولهم، فجئت وقد ذبحني العطش، لكان ذلك مجازا» . وفي موضع آخر من الحيوان يضع الجاحظ كلمة «مثل» في مقابل كلمة «حقيقة» وهو بذلك يساوي بين «المثل» و «المجاز» في وضعهما في مقابل الحقيقة.
يقول: «ويذكرون نارا أخرى. وهي على طريق المثل لا على طريق الحقيقة، كقولهم في نار الحرب» .
وهذا كله يؤكد تداخل الحدود بين التشبيه والمثل والمجاز من ناحية ويؤكد أن مصطلح «المجاز» صار أكثر تحديدا، باعتباره الوجه الآخر للحقيقة من جهة أخرى وبذلك صار هو المصطلح الأثير لدى المعتزلة الذي يؤولون على أساسه كل الآيات التي يوهم ظاهرها أو حقيقتها بالتعارض مع آرائهم وأفكارهم العقلية.
لم ينفصل «المجاز» عن «التأويل» عند ابن قتيبة (ت 276هـ) ومن ثم اتسع كما هو الحال عند السابقين عليه ليضم كل الوسائل الأسلوبية من «الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والاخفاء والاظهار والتعريض والافصاح والكناية والايضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والعقد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء أخرى كثيرة» . وإذا كان الجاحظ ومن قبله الفراء قد ركزا على جانب المشابهة باعتبارها أساس الانتقال في الدلالة، فإن ابن قتيبة لم يتوقف كثيرا ليشرح كيفية الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، وذلك بحكم
غلبة الجانب التأويلي على كتابه، تلك الغاية التي ينمّ عليها عنوان الكتاب نفسه «تأويل مشكل القرآن» . ولذلك أجّلنا الدراسة التفصيلية لهذا الكتاب للفصل التالي.