فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 269

وعلى ذلك فارجاع هذه الآيات للشعر العربي ومجازه هو ردّ لهذا الوعي والمعرفة إلى معرفة ووعي متخلفين عن هذا الوعي الجديد. ولعل الجاحظ أحس بهذه المشكلة احساسا غامضا، حتى اشترط لمن يتعرّض لقضايا الدين أن يكون متكلما إلى جانب علمه باللغة العربية، وذلك حتى يستطيع الوصول إلى تلك المعرفة التي يعبر عنها القرآن «ولو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك حتى يكون عالما بالكلام» ومع ذلك كله فقد سار الجاحظ في كتاب لم يصلنا في الرد على المشبهة على درب أسلافه اللغويين. يقول: «وقد كتبت في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ، وأكثر ما يعتمد

عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس، ويختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها، وروايات كثيرة إلى غير معانيها. وقد بيّنت ذلك بالوجوه المختصرة وبالأشعار الصحيحة، والأمثال السائرة، واستشهدت بالكلام المعروف، وبالقياس على الموجود» ولا ينبغي أن ننسى أن الجاحظ نفسه لم ينج من أثر الغايتين الدفاعية والتعليمية اللتين شغل بهما كل من أبي عبيدة والفراء، إلى جانب أن وظيفة اللغة البيانية عنده كانت تبرر هذا السلوك. ومن جهة ثالثة كان استشهاد المشبهة والظاهرية بمواضعات اللغة والشعر العربي كفيلا بأن يحدد لا مسلك الجاحظ وحده، بل مسلك المعتزلة جميعا في تناول المجاز في القرآن. يؤكد ذلك عند الجاحظ وقفاته الطويلة في كتبه كلها خاصة كتاب الحيوان للرد على المؤولين والطاعنين في القرآن وهي كلها وقفات يستدل فيها الجاحظ على صحة العبارات القرآنية والتجوز فيها بالشعر العربي وأقوال العرب. ومن المؤسف أننا لا نجد في أي من هذه الآيات التي توقف عندها الجاحظ آية واحدة من تلك الآيات الخلافية بين المعتزلة وخصومهم، فكلها آيات ترتبط باستطرادات الجاحظ في الكتاب، مثل قصة الهدهد، وحديث النمل، وعلاقة الأنس بالجن، ورءوس الشياطين التي أشرنا اليها الخ كل هذه الموضوعات والآيات القرآنية التي تمسّ موضوع الحيوان من قريب أو بعيد. ولسنا بصدد درس نهج الجاحظ في تفسير القرآن عامة حتى نتوقف أمام هذه الآيات محللين أو كاشفين عن طريقة الجاحظ في تفسير القرآن.

وإذا كان الجاحظ قد استخدم كلمات الاشتقاق والتشبيه والمثل والمجاز بمعنى واحد، فإننا لأول مرة نواجه مصطلح «المجاز» باعتباره قسيما للحقيقة، وإن لم نعدم في كتابات الجاحظ بعض الاستخدامات اللغوية له. بمعنى أننا إذا كنا عند أبي عبيدة وجدنا المصطلح واسع الدلالة يتناول أساليب العربية أو طرق التعبير عامة، وإذا كنا عند الفراء وجدنا استعمالا لكلمة «تجوز» بدل المجاز ومعنى أقرب للمعنى الاصطلاحي، فاننا عند الجاحظ نجد المصطلح قد تحدد تحددا كاملا ليشير إلى كل الأنواع البلاغية كالمثل والتشبيه والاستعارة والكناية. والمواضع التي تحدث فيها الجاحظ عن المجاز كمقابل للحقيقة بشكل مباشر قليلة جدا، وإن كان سياق استخداماته الكثيرة للفظ يدل على فهمه الاصطلاحي لها. من هذه المواضع القليلة قوله في البخلاء «فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز فالحقيقة ما كان من الله، والمجاز المشتق له من هذا الاسم» . وأشار إليه بنفس المعنى في كتاب فصل ما بين العداوة والحسد حين تحدث عن العلماء المشهورين بالحسد

فقال: «وقد وسموا انفسهم بسمات الباطل وتسموا بأسماء العلم على المجاز من غير الحقيقة» أمّا في كتاب الحيوان فأغلب استعمال اللفظ، وإن فهم منه أنه مقابل الحقيقة، فإنه لم يرد بهذا المعنى بشكل مباشر. فحين يحاول الجاحظ تأويل تهديد سيدنا سليمان للهدهد بالذبح، ردا على من طعنوا في الآية على أساس أن تهديد الهدهد تهديد في غير محله، لأن الهدهد ليس مكلفا أو عاقلا من جانب، والذبح أكبر من جرم الهدهد إن صحّ أنه مكلف أو عاقل ثانيا. يردّ الجاحظ على هذا الطعن بردود كثيرة، منها «على أنّا لو تأولنا الذبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم اسماعيل عليهما السلام وإنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره أو على معنى قول القائل: أمّا أنا فقد ذبحته وضربت عنقه ولكن السيف خانني. أو على قولهم، المسك الذبيح، أو على قولهم، فجئت وقد ذبحني العطش، لكان ذلك مجازا» . وفي موضع آخر من الحيوان يضع الجاحظ كلمة «مثل» في مقابل كلمة «حقيقة» وهو بذلك يساوي بين «المثل» و «المجاز» في وضعهما في مقابل الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت