فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 269

وحتى اجتمعت العرب على تصويبه، وعلى اتباع أثره، وعلى أنها لغة عربية فالله الذي له أصل اللغة أحق بذلك» فالمعارف كلها، بل العالم كله بما فيه من كائنات وموجودات وطبائع من خلق الله، وهو الذي خلق الانسان ومكّنه، وزوده بكل ما يساعده على تحقيق وجوده الأكمل، وزوده باللغة ليبين بها عن نفسه «فإذا كانت العرب يشتقون كلاما من كلامهم وأسماء من أسمائهم، واللغة عارية في أيديهم ممن خلقهم ومكنهم وألهمهم وعلمهم، وكان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس، فالذي أعارهم هذه النعمة أحق بالاشتقاق» وقد كانت التفرقة بين معارف البشر ومعارف الله، ثم هذا التسليم بحق الله في الاشتقاق والابتداء بوضع الأسماء، كانت هذه التفرقة كفيلة بأن توجه مبحث المجاز في القرآن وجهة مختلفة عن تلك الوجهة السائدة منذ أبي عبيدة والفراء والتى تبحث عن سند لمجازات القرآن وعباراته في الشعر الجاهلي. غير أن غاية التعليم والتوضيح ولم تكن بعيدة عن جهود الجاحظ بأي حال حاولت رد كل تعبير مجازي في القرآن إلى الشعر العربي أو كلام فصحاء العرب. والجاحظ نفسه تابع أسلافه، واعتبر لغة العرب هي الأساس في فهم القرآن. ولا ينكر الباحث أن يكون الشعر العربي دليلا في فهم النص القرآني، ما دام كلام الله قد اتخذ اللغة العربية أداة للتوصيل. ولكن الآيات الخلافية التي كانت مثار جدل بين المعتزلة وخصومهم، سواء المجبرة او المشبهة، لا يمكن النظر إليها من خلال الشعر وحده ومواضعات اللغة منفردة.

فالاسلام قد جاء برؤية جديدة لطبيعة الذات الالهية. وهي رؤية تتناقض مع واقع المعتقدات العربية الجاهلية. وعلى ذلك تعبر هذه الآيات التي تصف الله عن وعي ديني جديد تماما على الشعور العربي، وعلى المدركات والمعارف التي تعبر عنها اللغة والشعر. وهذا الوعي كان يستخدم اللغة العربية للتعبير عن نفسه، ومن ثم كان من الضروري أن يحدث تغيير في النسق المتعارف عليه للغة من أجل أن تتسع لحمل هذا الوعي الجديد.

وعلى ذلك فارجاع هذه الآيات للشعر العربي ومجازه هو ردّ لهذا الوعي والمعرفة إلى معرفة ووعي متخلفين عن هذا الوعي الجديد. ولعل الجاحظ أحس بهذه المشكلة احساسا غامضا، حتى اشترط لمن يتعرّض لقضايا الدين أن يكون متكلما إلى جانب علمه باللغة العربية، وذلك حتى يستطيع الوصول إلى تلك المعرفة التي يعبر عنها القرآن «ولو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك حتى يكون عالما بالكلام» ومع ذلك كله فقد سار الجاحظ في كتاب لم يصلنا في الرد على المشبهة على درب أسلافه اللغويين. يقول: «وقد كتبت في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ، وأكثر ما يعتمد

عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس، ويختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها، وروايات كثيرة إلى غير معانيها. وقد بيّنت ذلك بالوجوه المختصرة وبالأشعار الصحيحة، والأمثال السائرة، واستشهدت بالكلام المعروف، وبالقياس على الموجود» ولا ينبغي أن ننسى أن الجاحظ نفسه لم ينج من أثر الغايتين الدفاعية والتعليمية اللتين شغل بهما كل من أبي عبيدة والفراء، إلى جانب أن وظيفة اللغة البيانية عنده كانت تبرر هذا السلوك. ومن جهة ثالثة كان استشهاد المشبهة والظاهرية بمواضعات اللغة والشعر العربي كفيلا بأن يحدد لا مسلك الجاحظ وحده، بل مسلك المعتزلة جميعا في تناول المجاز في القرآن. يؤكد ذلك عند الجاحظ وقفاته الطويلة في كتبه كلها خاصة كتاب الحيوان للرد على المؤولين والطاعنين في القرآن وهي كلها وقفات يستدل فيها الجاحظ على صحة العبارات القرآنية والتجوز فيها بالشعر العربي وأقوال العرب. ومن المؤسف أننا لا نجد في أي من هذه الآيات التي توقف عندها الجاحظ آية واحدة من تلك الآيات الخلافية بين المعتزلة وخصومهم، فكلها آيات ترتبط باستطرادات الجاحظ في الكتاب، مثل قصة الهدهد، وحديث النمل، وعلاقة الأنس بالجن، ورءوس الشياطين التي أشرنا اليها الخ كل هذه الموضوعات والآيات القرآنية التي تمسّ موضوع الحيوان من قريب أو بعيد. ولسنا بصدد درس نهج الجاحظ في تفسير القرآن عامة حتى نتوقف أمام هذه الآيات محللين أو كاشفين عن طريقة الجاحظ في تفسير القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت