والجاحظ في هذا النص الطويل يقرن بين المثل والتشبيه مما يؤكد تداخل المصطلحات عنده ودلالتها كلها على المجاز، وهو من ناحية أخرى يلحّ على فكرة الوضوح مستدلا عليها بما ثبت في طبائع العرب من استقباح صورة الشيطان حتى ضربوا به المثل استقباحا أو تطيرا. وربط وضوح الدلالة بالمعرفة من جهة، وربط المجاز بعلاقة المشابهة أو الاشتقاق المعنوي من جهة أخرى يؤكد وظيفة اللغة البيانية عند الجاحظ. وهكذا يرتبط الشرط الأول في الانتقال بالدلالة من معنى إلى معنى شرط التشبيه والاشتقاق بالغاية النهائية للغة. وليس من شأن المشابهة أو الاشتقاق أن تلغي الفواصل بين الأشياء، أو أن تؤدي إلى الخلط بين الدلالات، بل لا بدّ من المحافظة على تمايز الأسماء ودلالاتها. فإذا كان الاسم علامة على الشيء، فحين ننقله لنعبر به عن شيء آخر لمشابهة بينهما في المعنى، فإننا لا ننقله على أنه علامة، بل ننقله لنؤكد وجه المشابهة مدحا أو ذما، دون أن ندخل الشيئين أو المعنيين في حدود بعضهما، والشعراء أنفسهم حين يشبهون والتشبيه مجاز لا ينبغي لهم أن يدخلوا الشيء في حد غيره «وقد يشبّه الشعراء والبلغاء الانسان بالقمر والشمس، والغيث والبحر، وبالاسد والسيف، وبالحية وبالنجم،
ولا يخرجون بهذه المعاني إلى حد الانسان. وإذا ذمّوا قالوا: هو الكلب والخنزير، وهو القرد والحمار، وهو التيس، وهو الذئب، وهو العقرب، وهو الجعل، وهو القرنبى ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس ولا أسمائهم، ولا يخرجون بذلك الانسان إلى هذه الحدود وهذه الأسماء»
أما الشرط الثاني للانتقال باللفظ من معنى إلى معنى إلى جانب علاقة المشابهة بين المعنيين فهو أن يكون هذا النقل من صنع الجماعة لا من صنع الفرد، ولا يجوز للفرد والحالة هذه إلّا السير على الدرب الذي مهّدته الجماعة قبله وذلك حفاظا على الابانة اللغوية أن يعتورها الغموض. وقد يبدو أحيانا أن الجاحظ يعطي هذا الحق حق النقل والاشتقاق للشعراء وحدهم، ويجعلهم سدنة على اللغة لهم كل الحرية في تغييرها واستخدامها كيف شاءوا. ولكن المؤسف أن الجاحظ يتحدث عن طبقة من الشعراء شعراء العصر الجاهلي كان لها وحدها هذا الحق، أمّا الشعراء بعدهم فعليهم الاحتذاء والتقليد. والدليل على ذلك أنه يعدد في نص طويل تشبيهات الشعراء كأنه يقوم بعملية حصر ليهتدي بها ويتعلم منها شعراء عصره، وهو من ناحية أخرى يمنع الشعراء من القياس على تشبيهات الشعراء السابقين يقول: «وسموا الجارية غزالا، وسموها أيضا خشفا، ومهره، وفاختة وحمامة، وزهرة، وقضيبا وخيزرانا على ذلك المعنى وليس هذا مما يطرد لنا أن نقيسه وإنما نقدم على ما أقدموا ونحجم عمّا أحجموا وننتهي إلى حيث انتهوا ونراهم يسمون الرجل جملا ولا يسمونه بعيرا، ولا يسمون المرأة ناقة، ويسمون الرجل ثورا. ولا يسمون المرأة بقرة، ويسمون الرجل حمارا ولا يسمون الرجل أتانا، ويسمون المرأة نعجة ولا يسمونها شاة» وهكذا يفقد الفرد المعبر باستثناء طبقة الشعراء القدماء أي فعالية في اثراء اللغة، أو اثراء التجربة الشعورية التي هي موضوع الشعر أو النص البليغ.
هذا التقييد من حرية الفرد في الاشتقاق المجازي كان ضروريا عند الجاحظ للمحافظة على الوظيفة البيانية للغة كما فهمها الجاحظ. ولكن هذا التقييد في مجال البيان الانساني، قابلته حرية واسعة في مجال البيان القرآني. وذلك على أساس أن اللغة، ملك لله وهي عارية في أيدي البشر، ومن ثم فله كل الحرية في وضعها حيث شاء. ومن جهة أخرى فقد ربط الجاحظ اللغة بالمعرفة. وقد تفرّد الله سبحانه بمعرفة ما لا يمكن أن يعرفه أحد من خلقه «فإذا كان للنابغة أن يبتدئ» الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة، كقوله:
والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد