وتلحّ فكرة الوضوح على الجاحظ الحاحا شديدا لما لها من خطرها على وظيفة البيان التي هي إحدى شروط الاجتماع «ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله وقصد صاحبه» . وهي فكرة تجعل الجاحظ يعود للآية التي كانت فيما يبدو مطعنا في عدم وضوح بعض الآيات القرآنية، وهي الآية التي سئل عنها أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكانت سببا في تأليفه كتابه. يعود الجاحظ إلى هذه الآية فيرفض تفسير المفسرين الذين قالوا إن رءوس الشياطين نبات في اليمن، وذلك ليردوا التشبيه في الآية إلى مدرك حسي واضح للعيان. يقول الجاحظ «وقد قال الناس في قوله تعالى: {إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيََاطِينِ} فزعم أناس أن رءوس الشياطين ثمر شجرة. تكون ببلاد اليمن، لها منظر كريه. والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير، وقالوا: ما عنى إلّا رءوس
الشياطين المعروفين بهذا الاسم، من فسقة الجن ومردتهم. فقال أهل الطعن والخلاف كيف يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه، ولا وصف لنا صورته في كتاب ناطق، أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها. وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره. فكيف يكون الشأن كذلك، والناس لا يفزعون إلّا من شيء هائل شنيع، قد عينوه، أو صوره لهم واصف صدوق اللسان، بليغ في الوصف، ونحن لم نعاينها، ولا صورها لنا صادق. وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه، فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟!
قلنا، وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط، ولا صوّر رءوسها لنا صادق بيده، ففي اجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين، أحدهما أن يقولوا: «لهو أقبح من شيطان» والوجه الآخر أن يسمى الجميل شيطانا، على جهة التطيّر له، كما نسمي الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء، وقرناء، وخنساء، وجرباء، وأشباه ذلك، على جهة التطيّر له. ففي اجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه، على ضرب المثل بقبح الشيطان، دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح».
والجاحظ في هذا النص الطويل يقرن بين المثل والتشبيه مما يؤكد تداخل المصطلحات عنده ودلالتها كلها على المجاز، وهو من ناحية أخرى يلحّ على فكرة الوضوح مستدلا عليها بما ثبت في طبائع العرب من استقباح صورة الشيطان حتى ضربوا به المثل استقباحا أو تطيرا. وربط وضوح الدلالة بالمعرفة من جهة، وربط المجاز بعلاقة المشابهة أو الاشتقاق المعنوي من جهة أخرى يؤكد وظيفة اللغة البيانية عند الجاحظ. وهكذا يرتبط الشرط الأول في الانتقال بالدلالة من معنى إلى معنى شرط التشبيه والاشتقاق بالغاية النهائية للغة. وليس من شأن المشابهة أو الاشتقاق أن تلغي الفواصل بين الأشياء، أو أن تؤدي إلى الخلط بين الدلالات، بل لا بدّ من المحافظة على تمايز الأسماء ودلالاتها. فإذا كان الاسم علامة على الشيء، فحين ننقله لنعبر به عن شيء آخر لمشابهة بينهما في المعنى، فإننا لا ننقله على أنه علامة، بل ننقله لنؤكد وجه المشابهة مدحا أو ذما، دون أن ندخل الشيئين أو المعنيين في حدود بعضهما، والشعراء أنفسهم حين يشبهون والتشبيه مجاز لا ينبغي لهم أن يدخلوا الشيء في حد غيره «وقد يشبّه الشعراء والبلغاء الانسان بالقمر والشمس، والغيث والبحر، وبالاسد والسيف، وبالحية وبالنجم،
ولا يخرجون بهذه المعاني إلى حد الانسان. وإذا ذمّوا قالوا: هو الكلب والخنزير، وهو القرد والحمار، وهو التيس، وهو الذئب، وهو العقرب، وهو الجعل، وهو القرنبى ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس ولا أسمائهم، ولا يخرجون بذلك الانسان إلى هذه الحدود وهذه الأسماء»