فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 269

ولكن هذه الحرية في نقل الألفاظ والعبارات ليست حرية مطلقة كما توهم العبارة السابقة، فلها شرطان لا بدّ من مراعاتهما: الشرط الأول أن يكون بين المعنى المنقول إليه اللفظ والمعنى المنقول عنه علاقة ما. أمّا الشرط الثاني فهو أن الحرية في النقل من حق الجماعة لا من حق الفرد، وعلى الفرد أن يتبع في عباراته وأساليبه طرق الدلالة التي سارت عليها الجماعة قبله، دون أن يخرج على هذه الأطر الدلالية أو التعبيرية، أو دون حتى أن يسمح لنفسه القياس عليها. والغاية وراء هذين الشرطين هي الوضوح الذي لا بدّ منه لأداء اللغة لوظيفتها الاجتماعية، وظيفة الابانة. فلو لم توجد علاقة بين المعنى المنقول عنه اللفظ والمعنى المنقول إليه لاختلّت دلالة الألفاظ على المعاني. ولو ترك الأمر لكل متكلم وحريته يستخدم الألفاظ حيث شاء، ويجريها حيث أراد، لصار كل فرد جزيرة لغوية منعزلة لا تستطيع التواصل والابانة لغيرها عن نفسها. وتفقد الابانة والحالة هذه أهميتها وضرورتها، بل لا تصبح إبانة على الاطلاق. وكلا الأمرين سيؤدي في النهاية إلى القضاء على الوظيفة الاجتماعية للغة. وهي الابانة، ومن ثم ينفضّ عقد

الاجتماع البشري، ويعود الانسان إلى عالم البهيمة والسبع، بل يعود إلى عالم الجماد أو النبات، فالحيوانات لها منطقها الخاص الذي يعبر عن احتياجاتها ويكفي «لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض» .

والشرط الأول للحرية في نقل الألفاظ لا يذكره الجاحظ بشكل مباشر وتفصيلي، وإنما يشير إليه أثناء تحليله لبعض العبارات والتراكيب. وجدير بالذكر أن المصطلحات ما تزال متداخلة عند الجاحظ. فهو مرة يستخدم مصطلح المجاز، وأخرى يستخدم المثل، وثالثة الاشتقاق. وقد يجمع بينهم جميعا في تحليل عبارة واحدة، وذلك للدلالة على استخدام اللفظ في غير ما وضع له في اللغة. فكلمات المجاز والمثل والتشبيه والكناية والاشتقاق تدل على معنى واحد. يقول «وللعرب اقدام على الكلام ثقة بفهم أصحابهم عنهم. وهذه أيضا فضيلة أخرى وكما جوزوا لقولهم أكل وانما عض، وأكل وانما أفنى، وأكل وانما أحاله، وأكل وانما أبطل عينه.

جوزوا أيضا أن يقولوا: ذقت ما ليس بطعم ثم قالوا طعمت لغير الطعام وقد يقولون ذلك أيضا على المثل وعلى الاشتقاق وعلى التشبيه». وشرط الوضوح أساس في الانتقال باللفظ من معنى إلى معنى، وهو شرط ينفي عن الكلام مظنة الكذب «وقد يكون اخلاص ظاهر لفظة على شيء ومعناه غيره، فلا يكون كذبا، لمعرفة القائل بفهم المستمع عنه، وهذا باب كثيرا ما يستعمله العرب» .

ويعدّ الجاحظ الكناية نوعا من أنواع الاشتقاق في المعاني أيضا، وبذلك يدخلها في المجاز «ويقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكنيف، والحش، والمرحاض، والمرفق، وكل ذلك كناية واشتقاق» .

وتلحّ فكرة الوضوح على الجاحظ الحاحا شديدا لما لها من خطرها على وظيفة البيان التي هي إحدى شروط الاجتماع «ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله وقصد صاحبه» . وهي فكرة تجعل الجاحظ يعود للآية التي كانت فيما يبدو مطعنا في عدم وضوح بعض الآيات القرآنية، وهي الآية التي سئل عنها أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكانت سببا في تأليفه كتابه. يعود الجاحظ إلى هذه الآية فيرفض تفسير المفسرين الذين قالوا إن رءوس الشياطين نبات في اليمن، وذلك ليردوا التشبيه في الآية إلى مدرك حسي واضح للعيان. يقول الجاحظ «وقد قال الناس في قوله تعالى: {إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيََاطِينِ} فزعم أناس أن رءوس الشياطين ثمر شجرة. تكون ببلاد اليمن، لها منظر كريه. والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير، وقالوا: ما عنى إلّا رءوس

الشياطين المعروفين بهذا الاسم، من فسقة الجن ومردتهم. فقال أهل الطعن والخلاف كيف يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه، ولا وصف لنا صورته في كتاب ناطق، أو خبر صادق، ومخرج الكلام يدل على التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها. وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره. فكيف يكون الشأن كذلك، والناس لا يفزعون إلّا من شيء هائل شنيع، قد عينوه، أو صوره لهم واصف صدوق اللسان، بليغ في الوصف، ونحن لم نعاينها، ولا صورها لنا صادق. وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه، فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت