فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 269

لم ينفصل «المجاز» عن «التأويل» عند ابن قتيبة (ت 276هـ) ومن ثم اتسع كما هو الحال عند السابقين عليه ليضم كل الوسائل الأسلوبية من «الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والاخفاء والاظهار والتعريض والافصاح والكناية والايضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والعقد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء أخرى كثيرة» . وإذا كان الجاحظ ومن قبله الفراء قد ركزا على جانب المشابهة باعتبارها أساس الانتقال في الدلالة، فإن ابن قتيبة لم يتوقف كثيرا ليشرح كيفية الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، وذلك بحكم

غلبة الجانب التأويلي على كتابه، تلك الغاية التي ينمّ عليها عنوان الكتاب نفسه «تأويل مشكل القرآن» . ولذلك أجّلنا الدراسة التفصيلية لهذا الكتاب للفصل التالي.

وإذا كان ابن قتيبة سلك مسلك سابقيه في رد العبارة القرآنية إلى الشعر العربي أسلوبا وتركيبا، فثم جهود أخرى حول القرآن كانت أقرب إلى ادراك تميز الأسلوب القرآني وتباينه عن أسلوب الشعر العربي. وقد كان لأصحاب هذه الجهود بالتالي أثر كبير في تحديد مجالات المجازات القرآنية، والكشف عن أثرها النفسي ووظيفتها البيانية. تلك هي الجهود حول «اعجاز القرآن» وفكرة «الاعجاز» نفسها تسلم بداهة بمبدإ التباين بين كلام الله وكلام البشر من حيث الأسلوب والصياغة، ومن ثم تسعى للكشف عن هذا التباين وأثره وملامحه. ويعدّ كتاب الرماني (ت 386هـ) «النكت في اعجاز القرآن» أهم هذه الجهود لمجال بحثنا، وذلك بحكم أن صاحبه معتزلي من جهة، وبحكم أن البحث البلاغي لم ينفصل عنده عن التأويل من جهة أخرى. غير أن التأويل عند الرماني ليس هو الهدف، بل يأتي عرضا في سياق التحليل البلاغي.

يعرّف الرماني البلاغة «بأنها ايصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ» ولا يكتفي بوظيفة «الافهام» التي ركّز عليها سابقوه «لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيي» وإذا كان قد قسم البلاغة إلى ثلاث طبقات، فإنه اعتبر أن «أعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن» وكان من الطبيعي والأمر كذلك أن تخلو رسالته من الاستشهاد بالشعر خلوا يكاد يكون تاما إلّا في موضعين اثنين.

وقد قسم الرماني البلاغة إلى عشرة أقسام يهمنا منها هنا «الايجاز» و «التشبيه» و «الاستعارة» و «المبالغة» .

ويقسم الرماني الايجاز إلى وجهين «حذف، وقصر، فالحذف اسقاط كلمة للاجتزاء عنها، بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف» . ويضرب للنوع الأول الحذف المثال الشائع «واسأل القرية» ، وحذف جواب الشرط. وإذا كان المحذوف مدلولا عليه بغيره فإن الرماني لا يعنى بتحديد المحذوف وتعيينه. بقدر ما يعنى بابراز الأثر النفسي للحذف، خصوصا في جواب الشرط «وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت