وهكذا يحدد الرماني الوظيفة النفسية للحذف، ويتجاوز بذلك وقفات أبي عبيدة والفراء والجاحظ وابن قتيبة جميعا.
يفرّق الرماني بين التشبيه بمعناه اللغوي والتشبيه بمعناه البلاغي فيرى أن التشبيه عموما «هو العقد على أن أحد الشيئين يسدّ مسد الآخر في حس أو عقل» أمّا التشبيه البليغ فهو «اخراج الأغمض إلى الأظهر بأداة التشبيه مع حسن التأليف» . وإذا كانت المشابهة عادة تؤدي إلى التسوية بين الطرفين، فالتشبيه البليغ هو مقارنة بين طرفين بهدف الكشف عن أحدهما أو اظهاره «فبلاغة التشبيه الجمع بين شيئين بمعنى يجمعهما يكسب بيانا فيهما» ، ويسهب الرماني في الكشف عن وجوه الأظهر الذي يقع فيه البيان بالتشبيه «منها اخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة. ومنها اخراج ما لم تجريه عادة إلى ما جرت به عادة، ومنها اخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة. ومنها اخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة في الصفة. فالأول نحو تشبيه المعدوم بالموجود، والثاني نحو تشبيه البعث بعد الموت بالاستيقاظ بعد النوم، والثالث تشبيه اعادة الأجساد باعادة الكتاب، والرابع تشبيه ضياء السراج بضياء النهار» وكل هذه الوجوه التي يقع عليها التشبيه بهدف بيان المشبه عن طريق مقارنته بما هو أظهر منه، تتفق مع تفريق المعتزلة بين مستويى المعرفة الحسية والعقلية. وغاية التشبيه هي بيان الشيء عن طريق مقارنته بما هو أظهر منه وأوضح وأجلى، بنفس الطريقة التي يؤدي بها الاستدلال وظيفته في الانتقال من الواضح الى الغامض. ولم يكن الرماني على أي حال بعيدا عن انجاز المعتزلة في هذه الجوانب، فقد كان متكلما إلى جانب كونه لغويا وبلاغيا.
ومن أمثلة التشبيه الذي أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه في القرآن قوله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا} {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} (الأعراف / 17) «وقد اجتمعا في ترك الطاعة على وجه من وجوه التدبير وفي التخسيس، فالكلب لا يطيعك في ترك اللهث حملت عليه أو تركته، وكذلك الكافر لا يطيع بالايمان على رفق ولا على عنف، وهذا يدل على حكمة الله سبحانه وتعالى في أنه لا يمنع اللطف» ومن هذا التحليل لعلاقة المشابهة في الآية يشير الرماني إلى انكشاف المعنى الغامض عن طريق الصورة الحسية فحسب، دون أن يلحظ التركيب كله خصوصا صورة «الانسلاخ» بدلالتها وايقاعها الصوتي معا. وعلينا أن نلاحظ من جانب آخر كيف استدل الرماني من الآية بهذا التحليل البلاغي على أن الكافر يمتنع عن
الايمان بارادته، لا بالاجبار، فالله قد وهبه الآيات ولكنه هو الذي انسلخ منها بارادته الحرة ولا يلمح الرماني وجه الشبه فقط، ولكنه يشير أيضا إلى أثر هذه الصورة فيما أطلق عليه «التخسيس» فالآية بهذا التشبيه تحقّر من شأن الكافر عن طريق تشبيهه بالكلب في صورة اللهث المستمر، وهي صورة لا شك مقززة.