ومن أمثلة التشبيه الذي أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه في القرآن قوله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا} {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} (الأعراف / 17) «وقد اجتمعا في ترك الطاعة على وجه من وجوه التدبير وفي التخسيس، فالكلب لا يطيعك في ترك اللهث حملت عليه أو تركته، وكذلك الكافر لا يطيع بالايمان على رفق ولا على عنف، وهذا يدل على حكمة الله سبحانه وتعالى في أنه لا يمنع اللطف» ومن هذا التحليل لعلاقة المشابهة في الآية يشير الرماني إلى انكشاف المعنى الغامض عن طريق الصورة الحسية فحسب، دون أن يلحظ التركيب كله خصوصا صورة «الانسلاخ» بدلالتها وايقاعها الصوتي معا. وعلينا أن نلاحظ من جانب آخر كيف استدل الرماني من الآية بهذا التحليل البلاغي على أن الكافر يمتنع عن
الايمان بارادته، لا بالاجبار، فالله قد وهبه الآيات ولكنه هو الذي انسلخ منها بارادته الحرة ولا يلمح الرماني وجه الشبه فقط، ولكنه يشير أيضا إلى أثر هذه الصورة فيما أطلق عليه «التخسيس» فالآية بهذا التشبيه تحقّر من شأن الكافر عن طريق تشبيهه بالكلب في صورة اللهث المستمر، وهي صورة لا شك مقززة.
وتقوم الاستعارة كذلك على أساس المشابهة، والفارق بينهما عند الرماني وجود الأداة في التشبيه، ذلك «أن ما كان من التشبيه بأداة التشبيه في الكلام فهو على أصله، لم يغير عنه في الاستعمال، وليس كذلك الاستعارة، لأن مخرج الاستعارة ما العبارة ليست له في أصل اللغة» ومن الواضح أن الرماني يدخل التشبيه البليغ المحذوف الأداة في حد الاستعارة. ويؤكد هو هذا التداخل بقوله: «وكل استعارة بليغة فهي جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما بالآخر كالتشبيه، إلّا أنه بنقل الكلمة، والتشبيه بأداته الدالّة عليه في اللغة» . ويكون الفارق بين التشبيه والاستعارة هو أن الاستعارة تعتمد على النقل من معنى أصلي إلى معنى مجازي، وذلك على عكس التشبيه الذي لا ينقل فيه اللفظ من معنى إلى معنى وذلك لوجود أداة التشبيه التي تقوم بهذا النقل. وينتقل اللفظ في الاستعارة بنفسه. واعتماد الاستعارة على النقل عند الرماني دون التشبيه يجعلنا نعتبره أول من أخرج التشبيه من دائرة المجاز، وذلك على الرغم من أن مصطلح «المجاز» لم يرد له ذكر في رسالته. غير أنه من جانب آخر يجعل الاستعارة مقابلا للحقيقة «وكل استعارة فلا بدّ لها من حقيقة، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة» وإذا كان التشبيه البليغ داخلا في حد الاستعارة فهو بالتالي داخل في حد المجاز بحكم أن النقلة تتم فيه دون وجود الأداة. وإذا كانت مهمة التشبيه هو البيان عن طريق المقارنة بين شيئين أحدهما أظهر من الآخر وأجلى منه، فإن مهمة الاستعارة لا تخرج عن ذلك «وكل استعارة حسنة فهي توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة، كانت أولى به، ولم تجز الاستعارة» غير أن الرماني لا يكشف لنا بشكل واضح عن الفارق بين التعبير الحقيقي والتعبير الاستعاري، ويكتفي فحسب بتقريره.
ويرتبط هذا التحديد للاستعارة بغاية التأويل عند الرماني، فمن استعارات القرآن {وَقَدِمْنََا إِلى ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُورًا} (الفرقان / 23) «حقيقة قدمنا هنا عمدنا وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لأنه من أجل امهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم. وفي هذا تحذير من الاغترار بالامهال، والمعنى الذي يجمعهما
العدل، لأن العمد إلى ابطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ لما بيّنا». وواضح أن الرماني يريد أن ينفي عن الله الحركة والانتقال، فلذلك ما حاول الكشف عن أصل النقل في الفعل «قدم» وأنه بمعنى العمد. غير أن الرماني يكتفي بالقول بأن القدوم أبلغ وذلك لما يؤديه من غاية حددها بأنها هي التحذير من الاغترار بالامهال، وبذلك يكشف عن الوظيفة النفسية للاستعارة في هذه الآية.