فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 269

ويرتبط هذا التحديد للاستعارة بغاية التأويل عند الرماني، فمن استعارات القرآن {وَقَدِمْنََا إِلى ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُورًا} (الفرقان / 23) «حقيقة قدمنا هنا عمدنا وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لأنه من أجل امهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم. وفي هذا تحذير من الاغترار بالامهال، والمعنى الذي يجمعهما

العدل، لأن العمد إلى ابطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ لما بيّنا». وواضح أن الرماني يريد أن ينفي عن الله الحركة والانتقال، فلذلك ما حاول الكشف عن أصل النقل في الفعل «قدم» وأنه بمعنى العمد. غير أن الرماني يكتفي بالقول بأن القدوم أبلغ وذلك لما يؤديه من غاية حددها بأنها هي التحذير من الاغترار بالامهال، وبذلك يكشف عن الوظيفة النفسية للاستعارة في هذه الآية.

ثم آية أخرى يسلك الرماني ازاءها نفس المسلك وهي قوله تعالى {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلََانِ} (الرحمن / 31) «والله عز وجل لا يشغله شأن عن شأن، ولكن هذا أبلغ في الوعيد، وحقيقته سنعمد، إلّا أنه لمّا كان الذي يعمد إلى شيء قد يقصر فيه لشغله بغيره معه، وكان الفارغ له هو البالغ في الغالب مما يجري به التعارف، دللنا بذلك على المبالغة من الجهة التي هي أعرف عندنا لما كانت بهذه المنزلة، ليقع الزجر بالمبالغة التي هي أعرف عند العامة والخاصة موقع الحكمة» والتحليل هنا لا يختلف كثيرا عن تحليل الآية السابقة من حيث بيان وجه المشابهة في الاستعارة، والكشف عن أثرها النفسي في المتلقي، غير أن الرماني يستخدم هنا كلمة «المبالغة» للدلالة على الاستعارة. وهذا يقودنا لمعنى المبالغة عنده، والفارق بينها وبين الاستعارة.

وتعريف الرماني للمبالغة بأنها «الدلالة على كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الابانة» فهو تعريف يدخلها في حد المجاز والفارق بين الاستعارة والمبالغة أن الاولى تقوم على التشبيه، بينما تقوم الثانية على علاقة غير علاقة المشابهة. ويحدد الرماني هذه العلاقة على وجوه «منها المبالغة في الصفة المعدولة عن الجارية بمعنى المبالغة وذلك على أبنية كثيرة منها: فعلان، ومنها فعال، وفعول، ومفعل، ومفعال ففعلان كرحمان عدل عن راحم للمبالغة» أما الوجه الثاني فهو استخدام صيغة العموم للتعبير عن الخصوص للمبالغة. والثالث «اخراج الكلام مخرج الاخبار، عن الأعظم الأكبر للمبالغة كقول القائل: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم له» ومن الواضح أن النوعين الثاني والثالث من وجوه المبالغة يدخلان فيما سمي بعد ذلك بالمجاز المرسل، بينما يدخل النوع الأول في المبالغة بالصيغة. ومن الواضح أيضا أن الرماني لم يدخل هذا الباب في باب الاستعارة، حتى لا تختلط الحدود بين التجاوز الذي يقوم على التشبيه، والتجاوز الذي يقوم على علاقة من نوع آخر. وقد كانت هذه التفرقة مدخلا لتأويل بعض الآيات في التوحيد والعدل، وهي آيات يصعب تأويلها على أساس الاستعارة وإلّا أدّى هذا التأويل إلى افتراض مشابهة الله للبشر، أو امكانية وجود هذه المشابهة على الأقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت