تعدّ هذه القضية أساس قضية العدل الأصل الثاني من الأصول الخمسة عند المعتزلة، ذلك أن كون الله عادلا يقتضي منه أن يعاقب المسيء، وأن يثيب
المحسن، أي أن يحقق وعده للمؤمن، ووعيده للكافر. ولكي تتحقق هذه العدالة لا بدّ من أن يكون الانسان حرا مختارا في فعله ومسئولا عنه، ومن ثم يستحق الثواب أو العقاب. وعلى العكس من ذلك فإن نفي قدرة الانسان على الفعل يستلزم بالضرورة عدم استحقاقه للثواب أو العقاب. وهذا بدوره يؤدي إلى أن تعذيب الله للمخطئ ظلم ما دام الانسان غير مختار للخطأ الذي وقع فيه.
ومعنى ذلك أن الحرية الانسانية والعدالة الالهية وجهان لعملة واحدة، ونفي أولاهما يستلزم بالضرورة نفي الأخرى ويؤدي إلى عبثية الوجود الانساني والفعل الالهي معا.
غير أن قضية خلق الأفعال تتصل من جانب آخر بأصل المعتزلة الأول وهو التوحيد، ذلك أن اثبات فاعل قادر في الشاهد يعدّ مقدمة ضرورية ينبني عليها اثبات فاعل قادر في الغائب لأنه «لو كان تعالى هو الخالق والمحدث لأفعال العباد، لأدّى هذا الاعتقاد إلى أن لا يعرف القديم أصلا، لأن طريق معرفته هو الاستدلال بفعله عليه. فإذا لم يثبت هذا القائل، في الشاهد، حاجة المحدث إلى محدث، لم يمكنه حمل الغائب عليه فلا يمكنه أن يستدل على حاجة المحدثات التي يتعذّر وقوعها من جهتنا على أن لها محدثا، فقد صح أن ذلك يمنع من معرفة القديم أصلا.
فكيف يقال: إنه الخالق لأفعالهم، وكيف يصح اعتقاد فرع يؤدي إلى هدم أصله؟.
وإذا كانت هذه القضية أساسية لكل من أصلي العدل والتوحيد، فهي على نفس الدرجة من الأهمية، بالنسبة لباقي أصول الفكر الاعتزالي، وهي «المنزلة بين المنزلتين» و «الوعد والوعيد» و «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . فالقول بالمنزلة بين المنزلتين حكما على مرتكب الكبيرة يفترض سلفا مسئولية الانسان عن فعله وحريته في اختياره. ومبدأ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» يهدف إلى التأثير في تغيير السلوك الانساني عن طريق الاقناع، وهو مبدأ يستند بالضرورة إلى امكانية التعديل في سلوك الانسان، وهي امكانية تتم بناء على رغبة الانسان، أي أنها تتم بناء على اختياره وحريته. ولو لم يكن الأمر كذلك لكان «المقدم على المنكر لا يتهيأ له مفارقته، لأنه مخلوق فيه، ولا التارك للمعروف يمكنه ايجاده، لأنه قد خلق فيه تركه. فيجب أن لا يكون للتعبد بهما (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) معنى، وأن لا يكون بين أمر المقدم على المنكر بالمنكر وبين نهيه عنه فصل» .
وإذا كان مبدأ «الوعد والوعيد» ينصب أساسا على الفعل الإلهي، فإنه طبقا لمبدأ العدالة الالهية لا ينفصل عن السلوك الانساني في تطبيقه، فالوعيد
لا بدّ أن يتحقق للمخطئ، والوعد لا بدّ أن يتحقق للمحسن. أمّا الخطأ والاحسان فهما من اختيار الانسان ومن فعله.