فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 269

وإذا كان مبدأ «الوعد والوعيد» ينصب أساسا على الفعل الإلهي، فإنه طبقا لمبدأ العدالة الالهية لا ينفصل عن السلوك الانساني في تطبيقه، فالوعيد

لا بدّ أن يتحقق للمخطئ، والوعد لا بدّ أن يتحقق للمحسن. أمّا الخطأ والاحسان فهما من اختيار الانسان ومن فعله.

ولقد سبقت الاشارة إلى البعد الاجتماعي والسياسي لهذه القضية في الفكر الاسلامي عامة. وهذا أمر يعود القاضي عبد الجبار ليؤكّده في القرن الرابع «إن أول من قال بالجبر وأظهره معاوية، وأنه أظهر أن ما يأتيه بقضاء الله ومن خلقه، ليجعله عذرا فيما يأتيه، ويوهم أنه مصيب فيه، وأن الله جعله إماما وولّاه الأمر، وفشا ذلك في ملوك بني أمية» ويذهب القاضي إلى الزام القائلين بالجبر والمدافعين عنه الزامات شنيعة، أهمها أن القول بالجبر يؤدّي إلى انهيار النظام الاجتماعي أولا، وإلى هدم قانون السببية ثانيا، وإلى هدم الشرع والدين ثالثا.

فمسئولية الانسان في المجتمع تحتم كونه مختارا حرا. أمّا القول بأنه ليس حرا ولا مختارا ولا فاعلا فهو قول يناقض العرف والعادة «ويجب، على قولهم، أن لا يحسن نصب الأئمة والأمراء لأنهم إنما ينصبون لمنع الظالم عن ظلمه، والانتصاف منه للمظلوم، والزام الأحكام، والقيام بالحدود، وكل ذلك إنما يصحّ متى كان للعبد فعل واختيار. فأمّا إن كان تعالى هو الخالق لأفعالهم فيهم، فكيف يعاقبون عليها؟ وكيف يؤدب الفاعل، ويعزر ويقوم ويؤخذ لمظلومه منه، ويكف عن الظلم بالتخويف» .

وإذا كان القول بأن فعل الانسان لا يتعلق به سيؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي، فإنه من جانب آخر سيؤدي إلى انهيار قانون السببية الذي يقوم عليه العالم، ذلك أن نسبة أفعال العباد إلى الله القادر على كل شيء تحيل تعلق المسببات بأسبابها إذ «يصح أن يقع ما يحتاج فيه إلى الآلة بلا آلة، لأنه تعالى لا يحتاج في خلق الصعود في زيد إلى السلم، والطيران في الطير إلى الجناح، والكتابة في الورق إلى القلم واليد. فكان يجب أن تكون الآلات، وجودها كعدمها، في أنه لا يحتاج إليها البتة. وكان يجب أن لا يخل فقدها بتعذر ما هي آلة فيه، حتى يكون الزمن بمنزلة الصحيح في الأفعال، والضرير كالبصير فيها، بل لا يمتنع أن يكون تعالى قد أجرى العادة، في بعض البلاد وبعض الأوقات، أن المفقود من الآلة يصح منه ما يتعذر على كامل الآلة، من حيث يخلق تعالى الفعل فيه دون وافر الآلة» .

ولا يكتفي القاضي بذلك، بل يذهب إلى القول بأن نسبة أفعال العباد لله تعالى تؤدّي إلى فساد الشرع والدين لأنه «لو كان تعالى هو المخترع لفعل العباد، لم يخل ما يقبح من العبد أن يقبح من الله تعالى أو يحسن منه. لأنه لا يصح أن يقال، مع علمه به، أنه لا يحسن منه ولا يقبح، لأن ذلك يؤدي إلى تجويز مثل ذلك في

فعل العالم منا. وهذا يستحيل، لأنه متى كان عالما بفعله، فلا بدّ من أن يعلمه على وجه، لكونه عليه له فعله، ولا يستحق به الذم، أو على وجه لكونه عليه ليس له فعله، ويصح أن يستحق به الذم. فإذا صحّ أنه لا يخلو مما ذكرناه، فلو قبح منه ما يقبح من العبد، وصح مع ذلك أن يخلقه، لم نأمن أن يخلق سائر القبائح منفردا بها فيكذب في أخباره، ويأمر بالقبيح، وينهى عن الحسن، ولا يفي بشيء من وعده ووعيده، ويعذب الأنبياء، ويثيب الفراعنة، ويتفرّد بكل ظلم، لأنه إذا جاز أن يفعل القبائح مع قبحها منه، لم يؤمن من كل ما ذكرناه».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت