ولا يكتفي القاضي بذلك، بل يذهب إلى القول بأن نسبة أفعال العباد لله تعالى تؤدّي إلى فساد الشرع والدين لأنه «لو كان تعالى هو المخترع لفعل العباد، لم يخل ما يقبح من العبد أن يقبح من الله تعالى أو يحسن منه. لأنه لا يصح أن يقال، مع علمه به، أنه لا يحسن منه ولا يقبح، لأن ذلك يؤدي إلى تجويز مثل ذلك في
فعل العالم منا. وهذا يستحيل، لأنه متى كان عالما بفعله، فلا بدّ من أن يعلمه على وجه، لكونه عليه له فعله، ولا يستحق به الذم، أو على وجه لكونه عليه ليس له فعله، ويصح أن يستحق به الذم. فإذا صحّ أنه لا يخلو مما ذكرناه، فلو قبح منه ما يقبح من العبد، وصح مع ذلك أن يخلقه، لم نأمن أن يخلق سائر القبائح منفردا بها فيكذب في أخباره، ويأمر بالقبيح، وينهى عن الحسن، ولا يفي بشيء من وعده ووعيده، ويعذب الأنبياء، ويثيب الفراعنة، ويتفرّد بكل ظلم، لأنه إذا جاز أن يفعل القبائح مع قبحها منه، لم يؤمن من كل ما ذكرناه».
وإذا كان اثبات الانسان فاعلا لفعله مقدمة لا بدّ منها لاثبات فاعل في الغائب قادر على ما لا نقدر عليه من الأجسام والأعراض، وإذا كانت نسبة أفعال الانسان لله تؤدي إلى كل ما سبق من تقويض للنظام الاجتماعي، إلى اهدار لقانون السببية، إلى فساد للشرع والدين، إذا كان هذا القول يؤدي إلى كل ذلك، فمن الطبيعي أن تكون معرفته ضرورية لا تنبني على السمع. بل يذهب المعتزلة إلى القول بأن صحة السمع تنبني على معرفة تعلق فعل الانسان به ومن ثم «لا يسأل إلى اثبات القديم سبحانه، واثبات أحواله، إلّا بعد العلم بأن تصرف زيد هو فعله، وأنه يدل على كونه قادرا عالما. ومتى لم يحصل للمستدل هذا الاعتبار من حال الشاهد، لم يمكنه معرفة القديم تعالى» .
وإذا كان اثبات الله بصفاته نتيجة تنبني على أن الانسان فاعل، وصحة السمع تنبني على معرفة الله بتوحيده وعدله، فإن اثبات الانسان فاعلا حرا مختارا هو المقدمة الأولى لاثبات السمع والاستدلال به «لأن من لا يعلم صدقه في قوله إلّا بوصفه نفسه بأنه صادق، لم يعلم صادقا. لأنه يجوز عليه الكذب في قوله: إني صادق. ولا وجه يؤمن كذبه في هذا الخبر المخصوص إلّا ما يقوله مما يوجب القبائح عنه. ولا يمكنهم التعلق في ذلك بقول الرسول، لأنا قد ألزمناهم أن يظهر تعالى المعجز على كذاب أو صادق بعينه ليضل العباد، فكيف يوثق بقول من هذا حاله؟ ولا يمكنهم التعلق في ذلك بالاجماع، لأن صحة الاجماع تتبع صحة الكتاب والسنة، فكيف يصح تصحيحهما به وهو فرع عليهما، أو على أحدهما؟ ولا يصح لهم أن يقولوا: إن الكذب لا يقع إلّا من محتاج أو جاهل أو منقوص أو محدث لأن ذلك إنما يصح بمثل الطريق الذي يوجب أن الظلم لا يقع إلّا من هذا وصفه. فإذا جوّزوا فعل القبائح منه تعالى، وإن كان عالما غنيا، فكذلك يلزمهم في الكذب» .