انتهى المعتزلة كما رأينا إلى أن تعلق الفعل بفاعله قضية ضرورية ينبني عليها اثبات الله بصفاته من التوحيد والعدل، وينبني عليها بالتالي صحة الشرع والدين. والخلاف بين المعتزلة وخصومهم في قضية خلق الأفعال يرتدّ بدوره إلى قضية العلاقة بين الشرع والعقل. ولقد ذهب الأشاعرة كما سبقت الاشارة إلى الاعلاء من شأن السمع واعتباره الأساس في معرفة صفات الله وأسمائه. وإذا كان القول بالجبر بمعناه الغليظ قد أثار استياء اتقياء المؤمنين، خصوصا مع انكشاف بعده السياسي والاجتماعي، فإن القول بحرية الانسان المطلقة ظلّ يثير مسألة التعارض بين إرادة الله وإرادة الانسان. بمعنى أن الايمان بارادة الانسان الحرة قد يؤدي إلى التقليل من حرية الارادة الالهية. وقد سبقت الاشارة إلى أن الحسن البصري تفاديا لهذا الموقف ذهب إلى أن «كل شيء بقضاء وقدر إلّا المعاصي» فنفى قبائح الفعل الانساني عن الله، واكتفى بهذا النفي دون أن يثبت إرادة مستقلة للانسان متحررة من إرادة الله الشاملة.
غير أن هذه المعادلة ظلّت سلاحا في يد خصوم المعتزلة يشهرونه في وجوههم، ويكفرونهم به، على أساس أن القول بحرية الارادة الانسانية يؤدي إلى أن يقع في ملك الله ما لا يريده الله. فإذا كان الله لا يريد الكفر لأنه قبيح، والكفر يقع من الانسان بارادته الحرة المختارة، فمعنى ذلك أن الكافر قد اختار الكفر خلافا لارادة الله ومشيئته. ويرى الأشاعرة أن هذا القول يؤدي إلى نسبة الضعف والغفلة إلى الله تعالى عن ذلك علوّا كبيرا «لأنه لو كان في سلطان الله تعالى ما لا يريده لوجب أحد أمرين إمّا اثبات سهو وغفلة أو اثبات ضعف وعجز ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده فلما لم يجز ذلك على الله تعالى استحال أن يكون في سلطانه ما لا يريده» . ولا يرى الأشاعرة في إرادة الله لكفر الكافر أو خلقه له فيه أي نقص أو شك في عدالته. والأساس الذي يستندون إليه أن إرادة الله يجب أن تشمل كل شيء يقع في ملكه، لأن الارادة صفة ذاتية من صفات الله تعالى «إن الارادة إذا كانت من صفات الذات وجب أن تكون عامة في كل ما يجوز أن يراد على حقيقته، كما إذا كان العلم من صفات الذات وجب عمومه بكل ما يجوز أن يعلم على حقيقته. وأيضا فقد دلّت الدلالة على أن الله خالق كل شيء حادث، ولا يجوز أن يخلق ما لا يريده» . أمّا أن إرادة الله للقبائح لا تستلزم وصفه بالقبح أو الانتقاص من عدالته، فالأساس في اثبات هذه القضية عند الأشاعرة هي التفرقة بين الله وبين الانسان، فالله هو «المالك القاهر الذي ليس
بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم وحدّ له الحدود. فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء. إذا كان الشيء إنما يقبح منا لأنّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا وأتينا ما لم نملك اتيانه. فلما لم يكن الباري مملكا ولا تحت آمر لم يقبح منه شيء».